#adsense

لبنان يحضر أول قمة عربية منذ 30 عاماً!

حجم الخط

لبنان يحضر أول قمة عربية منذ 30 عاماً!
بول شاوول

 

تبدأ اليوم القمة العربية في دمشق بلا لبنان الذي قررت حكومته الشرعية المقاطعة، تقاطعاً مع المواقف العربية التي قرر بعض كبارها مشاركة تنخفض من مستوى رؤساء وأمراء وملوك الى مستوى سفراء أو وزراء… موقف البلد الصغير (أو الشقيق الأصغر) بدا لكثيرين “أكبر” منه، في حين بدا المؤتمر في دمشق أصغر من دور سوريا المعتاد أو المفترض. موقف “الشقيق” الأصغر بدا لكثيرين “غياباً حاضراً”، في حين بدا المؤتمر في دمشق “حضوراً شاغراً”. موقف الشقيق الأصغر بدا لبعضهم “صدمة استقلالية” في حين بدا المؤتمر في دمشق “استقلالاً مستوعباً”. موقف الشقيق الأصغر بدا لبعضهم “انخراطاً في التناقضات العربية” في حين بدا المؤتمر في دمشق “انعزالاً عن الواقع العربي”. موقف الشقيق الأصغر بدا لبعضهم “غياباً حاضراً” في حين بدا المؤتمر في دمشق “حضوراً غيابياً”.


ذلك ان القمم العربية التي كانت تُعقد على امتداد العقود الماضية لا سيما الثلاثة الأخيرة منها، كانت الوصايات العربية المتعاقبة (لا سيما الأخيرة أي السورية) هي التي تمثل لبنان وهو حاضر في صفوفها الخلفية، لتحكي باسمه من دون أن يحكي باسمها: أي تحكي الوصاية باسم جمهوريتين في حين أن الجمهورية اللبنانية كان رئيسها بلا جمهورية يحكي بها وعنها ولها.


فلا كان للبنان ذهاب مستقل ولا “إقامة” مستقلة ولا إياب مستقل: مجرّد حقائب مرقمة في وفد شقيق أو مجرد ظلال لا تعلق حتى على بلاط المؤتمرات أو كراسيه أو أوراقه: فلبنان “المدحوش” كورقة في جيب الوصاية كان هو بلا ورقة: ورقة أو قصاصة في جيب كما الكلينكس. فأنت يمكن أن ترى بأم العين رئيساً لبنانياً يقتعد كرسياً ويمكن أن نتعرّف على ملامحه ومنخاره وبدلته وحتى صمته إذا نطق، أو نُطقِه إذا صَمَت، لكن تعرف أن هذا الرئيس الجالس خلف يافطة الجمهورية اللبنانية ينتمي الى جمهورية أخرى: إذاً رئيسان للوصاية مقابل لا رئيس للبنان. كلمتان في كلمة للوصاية ولا كلمة للبنان: فحضور لبنان عبر رئيسه “المفدى” آنئذ كان فداء الوصاية لا فداء لبنان! وعلى هذا الأساس كان يذهب الرئيس وكأنه عاد، أو يعود وكأنه لم يذهب. ربما الكلمة الوحيدة المعقولة التي تعني ولا تعني ولكنها تشي بحضور تكون “بعطسة” قومية للرئيس أو بسعلة وطنية أو حتى بغفوة تاريخية مريحة تعبّر بكل قوة عن الارادة اللبنانية، والقضايا اللبنانية: وخصوصاً السيادة اللبنانية. فهو يعطس ليؤكد وجوده (أو يبتسم: نتذكر ابتسامة إميل لحود) في حين ان الوصاية تؤكد وجودها به: إذاً حضور رسمي باستقبال رسمي بسجاد أحمر رسمي بجناح رسمي وببدلة رسمية وبعلم لبناني رسمي وبحذاء رسمي وبكراات رسمية لرئيسنا المفدى، لكن بلا جيوب ولا لسان ولا مشاركة ولا رفع اصبع ولا خفض أيدٍ ولا مقاطعة ولا استئذان ولا قلق ولا انتظار: هناك آخر هو أنت، في حين أنت من ضمن الآخر: الآخر هو الآخر وأنت كرئيس بلا ذات ولا آخر: شبح جميل، أنيق، برونزي، محطوط على قاعدة (كرسي) جميلة، أنيقة، برونزية ربما: لكن عندما ينتهي المؤتمر يُضب “الشبح” ـ الرئيس في إحدى الحقائب ويعود ترانزيت في لائحة الموجودات والهدايا بخفي الوصاية! فلبنان إذاً كان يحضر لكي لا يحضر أو يحضر لكي لا يشارك أو يحضر لكي لا يكون: كان حضوره فعل غيابه، وفعل “عدمه”، وفعل نسيانه: الوجود بالعدم، والعدم بالوجود، وفعل اعتذار طويل!


وعليه فإن الذين يتأسفون اليوم على مقاطعة لبنان القمة هم الذين كانوا يحضرون لكي لا يحضروا. ويريدون اليوم أن يحضر لبنان كالأمس لكي لا يحضر: بلا رئيس: بمعنى آخر وكما كان رئيس لبنان يحضر ولا يحضر يريدون اليوم أن يكون المفعول ذاته: أن يحضر لبنان بلا رئيس: في الأمس كان لبنان استثناء في أنه كان “يمثل” لكي “يمتثل”، يريدونه اليوم أيضاً بلا رئيس لكي يمتثل بدون أن يَمثُل! المثول إذاً واحد: هكذا تريد المعارضة: تكرار الديكور القديم (أي تكرارهم هم) هناك: وفد لبنان برأس مستعار، واليوم يريدونه وفداً بلا رأس: والنتيجة واحدة!


الحكومة فهمت، وَوَعَت، واعتبرت فرفضت المشاركة ولهذا فإن قرارها كان، بمفعوله وبوقعه أول قرار يُتخذ لحضور فعلي عبر الغياب: بمعنى ان لبنان الغائب عن المؤتمر الحالي ها هو يحضر للمرة الأولى منذ ثلاثة عقود!: حاضر لأنه قرر بنفسه الغياب (وأمس غاب لأنه لم يقرر الحضور) وغائب لأنه قرر بنفسه الحضور بأجندته وبكوكبته العروبية، وبإصراره على إنجازاته الدستورية والديموقراطية والسيادية وعلى التمسك بحدوده الجغرافية. كأنه إعلان آخر للجمهورية اللبنانية بحدودها المعترف بها: فلا نكون لا داخل حدود الوصاية السورية، ولا على تخوم الوصاية الايرانية: بل كأن موقف الحكومة جاء بمثابة ترسيم حدود داخلة بين البلد الشقيق والبلد الأعجمي “الأَشَقّ”. فتكون للجمهورية اللبنانية حدودها ودستورها وسيادتها ويكون للجمهورية السورية حدودها ودستورها وسيادتها: ولسوريا رئيسها وللبنان رئيسه (العتيد): فكيف يكون لسوريا أن تمنع عبر حلفائها انتخاب رئيس في القمة في الوقت الذي يمثل سوريا رئيسها الشرعي! بلد بلا رئيس وبلد آخر برئيس:

 

بلد برأس وبلد يأتي بلا رأس: أوليس هذا خروجاً على كل المواثيق سواء العربية أو الدولية أو السياسية أو حتى الاجتماعية. بل أوليس منع انتخاب رئيس يمثل لبنان، احتقاراً لإرادة اللبنانيين بأكثريتهم الساحقة، والتي يحق لها دستورياً انتخاب رئيس بالأكثرية المطلقة: هل ينتظرون أن ينجح رئيس في لبنان بـ99.99% لكي يكون شرعياً؟ هل ينتظرون أن تصل الأمور بلبنان بأن يعين الحاكم مجلس النواب بدلاً من أن يعينه؟ أو أن ينتخب الحاكم الشعب بدل أن ينتخبه الشعب: وعندها تكون الديموقراطية في أجمل صورها الحضارية! وإذا لم يحصل ذلك يبقى، بدون رئيس في انتظار “إجماع” مشروط ومحاصر يكون ضربة لكل العمليات الديموقراطية من الانتخابات النيابية الى تعيين الحكومة والوزراء. وهذا يتضمن معنى “الإجماع” التوتاليتاري: ومن قال ان مثل هذا الإجماع المفروض في ظل أكثرية منتخبة لا يكون اعتداءً على الديموقراطية وطعناً في الارادة الشعبية: وعندها لا يكون من جدوى لانتخابات نيابية، ولا لقانون انتخابي، ولا حتى لانتخابات بلدية ومخاتير ونقابات… وكل أدوات المجتمع المدني.


والطريف ان الذين يحولون بالوسائل الشتى دون انتخاب رئيس حتى التوافقي، وان الذين لا يعترفون بشرعية الحكومة، والذين يُخَوِّنون أكثرية الشعب اللبناني، هم الذين ينتقدون مقاطعة الحكومة اللبنانية مؤتمر دمشق: يريدونها شرعية ليومين في المؤتمر وعندما تعود الى بيروت تبطل شرعيتها. فقط شرعية في دمشق ليومين، لتُخَوِّنها دمشق بعد عودتها الى بيروت. شيء غريب! ومثير! بمعنى آخر يريدون أن يذهب لبنان الى هناك بدون رئيس، ليحوّل المؤتمر الى أجندة أخرى على حساب القضايا الملحة: تكون إذاً شاهد زور لا على دورها المفقود بل وأيضاً على القضايا الأخرى المفترض طرحها: تذهب ولبنان كقضية في المقاعد الخلفية، والذين يسعون الى إحداث انقلابات فيه يتصدرون المنصات ويفتعلون أي أولوية (ولو مهمة) لتهميش القضية اللبنانية ومنع إيجاد حل للاستحقاق الرئاسي.. ففي الحالين إذاً: سواء حضر لبنان أو لم يحضر لن يكون له أن يدافع كما يجب عما يعانيه من مشاكل ومؤامرات وخوف وقلق… ولهذا نرى أن القمة بلا لبنان قمة بلا جدوى: شكلية، رمزية، تصويتية؛ وهذا أمر يؤسف له، لأن الشعب العربي ينتظر أحياناً (وإن يائساً) مثل هذه المؤتمرات ليقنع نفسه بأنه ما زال هناك عرب قادرون على الدفاع عن حقوقهم ومشاكلهم، وأنه ما زال هناك عرب ذوو وجود مستقل وفاعل، وأنه ما زال هناك عرب يمكن بتضامنهم أن يكوّنوا قواعد متينة لمواجهة كل ما من شأنه أن يلغيهم أو يُصادرهم أو يهمشهم أو يسلبهم تاريخهم وحقوقهم. إذاً يؤلمنا أن تعقد قمة دمشق بدون لبنان، بدون قيادات عربية أساسية، وبدون تمثيل عربي شامل. ويؤلمنا أن تصل الخلافات العربية خصوصاً حول لبنان الى هذا الواقع المتردي، بل الى هذه الانقسامات الحادة، والثمن الذي سيدفعه العرب سيدفعه النظام السوري ولبنان أيضاً. إذ لم تكن سوريا، ولا مرة في تاريخها، على مثل هذه العزلة العربية، خصوصاً في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، برغم كل مواقفه وخلافاته مع العرب: ذات زمن غُيبت مصر وعزلت فكانت كل القمم العربية بلا رأس ونكررها: اليوم حين يغيب أكثر من زعيم عربي كبير، فتكون القمة بلا قمم أو بلا رؤوس كبيرة: ويعني أن لا شيء جدياً يمكن انتظاره سوى أن التشرذم العربي ما زال قائماً وعميقاً ويؤشر الى ما هو أدهى، في ظل ما يجري في فلسطين والاعتداءات الوحشية التي يمارسها العدو الصهيوني، وفي العراق وما يتعرّض له من فرقاء عدة: من الأعاجم الأميركيين والإيرانيين والإسرائيليين معاً ومشتقاتهم ومتفرعاتهم البلدية من تدمير لوجود هذا البلد العظيم. فتكون القمة بمن حضرها نذيراً لما هو أدهى وأخطر: في لبنان وفي فلسطين وفي العراق؟


من يدري؟ بل السؤال الأدق: هل سيُدفّعون لبنان ثمن فشل القمة بعد هذا الغياب الكبير لبعض الزعامات العربية الكبيرة: مصر والسعودية والمغرب والأردن… وربما تونس وربما البحرين… وهل سيتم الرد على الغياب التمثيلي العربي الفادح رداً “أمنياً”، واعتداءات تعوّدناها على لبنان، وأحداث فوضى أو ارتكاب اغتيالات، أو سيارات مفخخة؟ هل سيكون الردّ سياسياً أيضاً بمحاولة تعميق الشرخ بين اللبنانيين ومنع أي توصل الى تفاهم حول القضايا المطروحة من انتخاب الرئيس التوافقي الى فتح مجلس النواب الى “تحرير” وسط بيروت من “الاحتلال”، الى تسهيل قانون انتخابي.. إلخ؟ أو الى محاولة إحداث مزيد من الشروخ في الجسم الاجتماعي اللبناني وتفسيخ العرى وتعميق المسارات التقسيمية (وهي كلها من ضمن الأجندة الصهيونية التاريخية). كل هذا وارد لأن اللبنانيين اعتادوا مثل هذه الردود ودفعوا أثمانها خراباً وموتاً وفوضى وعنفاً؟
ويتخوف بعض اللبنانيين من أن تُستكمل المحاولات الانقلابية بأشكال أخرى فتكون امتدادات وتنويعات لحركة العبسي المشؤومة وأحداث كانون الثاني الماضي وغزوات عين الرمانة وبعض الأحياء البيروتية وقطع الطرقات وإحراق الدواليب… والاغتيالات…


هل سيكون الرد على فشل القمة إفشال لبنان في ما تبقى من حراكه الشرعي؟ هل ستستعار سيناريوات سبق أن نُفذت على امتداد الوصايات طيلة ثلاثة عقود من تخريب السلم الأهلي الى تخريب المجتمع وأدواته؟
إن مثل هذه الأسئلة جدية وأكثر لأن بعضهم ما زال يرى أن لبنان هو الحلقة الأضعف والساحة الأضعف لعرض “عضلاته” فيها وعرض أوراقه واستدراج عروضه. وقد تذهب مثل هذه الأسئلة الى تخوّفات أكبر: أي الى حرب إقليمية (ربما جاهزة بخطوطها المتواطئة) يكون بعض أسبابها ذرائع لإحداث انقلاب في موازين القوى والجغرافيا في لبنان تماماً كما كاد يحصل بعد حرب تموز المظفرة.


الاحتمالات هذه كلها واردة: لكن الوارد أيضاً أن اللبنانيين بأكثريتهم متيقظون جداً وعلى جهوزية تامة لمواجهة أي طارئ أمني أو غير أمني، سياسي أو غير سياسي. وكما أفشلوا كل المحاولات الانقلابية والظواهر العنفية والاعتداءات وضرب المقوّمات الأساسية من اقتصاد وديموقراطية فها هم اليوم على استعداد للتضحية بكل غال ونفيس للمحافظة على مكتسباتهم وسيادتهم ودولتهم. أي للمحافظة على وطنهم، والحؤول دون إعادة عقارب الساعة الى الوراء الى زمن الوصاية أي وصاية أخرى.


فالقمة تبدأ اليوم بلا قمم. والمنصّات العالية وحيدة. والكلام الكبير نادر. ويكفي أن يقول لبنان للمرة الأولى “لا” لمستضعفيه ومُستوطئي حيطانه؛ ويكفي أن يقول لبنان “لا” لأي وصاية (ونعم للسيادة)، ليحدث الصدمة الإيجابية المدوية الأهم بعد سقوط النظام الأمني المشترك، تلك الصدمة الإيجابية التي ستهزّ العرب والعالم وتجعلهم يشعرون بفداحة غياب لبنان، وكذلك بقوة حضوره في المؤتمر. قمة اليوم من يتسلّقها في غياب الكبار؟ من يتربّع عليها في غياب القامات العالية؟ بل من سيعوّض خساراتها الكبيرة؟ إنها صدمة كبرى أن تكون قمة دمشق على هذا المستوى الضحل، لكنها أيضاً البارقة الأسطع في استعادة لبنان حضوره، ودوره، وممانعته، وصموده. لكنها أيضاً علامة مقاومة جديدة لهذا البلد الصغير، وهي مقاومة ستثير إعجاب العالم كله. ويمكن هنا أن تعدل الصيغة المعهودة “إن لبنان قوي بضعفه” الى “لبنان قوي وحاضر في دمشق بغيابه”! بل لنقول: إنها المرة الأولى التي يحضر فيها لبنان بفاعلية مؤتمر قمة عربياً منذ 30 عاماً: إنها المرة التي يذهب فيها لبنان الى القمة العربية بكل استقلاليته وسيادته وقوته وشرعيته. وهي ليست كما يقال أول قمة لا يحضرها بل هي أول قمة يحضرها منذ 30 عاماً! ومن قال أن الغياب لا يكون أفعل من الحضور أحياناً؟
ولهذا الغياب الحاضر ثمن! نعم! ثمن تماماً كما ثمن الحرية والديموقراطية والعدالة والاستقلال! فليدفع إذاً!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل