#adsense

قصتي مع “حزب الله”

حجم الخط

قصتي مع “حزب الله”

جميلة جابر

 

لن اتحدث هنا عن تاريخ مليء بالتهميش والتحجيم قوبلت به في اثناء دراستي الجامعية في الجامعة اللبنانية من “التعبويين” و”الحزب اللهيين” بعنوان “التكليف الشرعي” تارة و”الامر بالمعروف والنهي عن المنكر” طورا. ولا عن مشاعر الخوف والعنف التي ملأت امعائي من خلال مشاهدة زملائي “الطلاب الجامعيين” يتقاتلون ويتصالحون ومن ثم يتقاتلون لاسباب لم يستطع ذكائي المحدود فهمها…


لن اتحدث هنا عن نظرات التحقير والقاء التهم المجانية عند كل محفل لهم نطقت فيه مستوضحة او مناقشة كوني في نظرهم “ممن لوثت افكارهم الثقافة الغربية”. ولن آتي على ذكر البيئة المخابراتية التي حُكم علي بمعايشتها يوميا كوني من سكان الضاحية الجنوبية ولا على القصف الاستعراضي كلما تكلم احد المسؤولين ولا عن النفس التشكيكي المليء بالاسئلة عند ابسط الامور كركن سيارتي لشراء علبة تبغ، نفس انتقلت عدواه الى “جماهير” الضاحية “انو بتعرفي الايام اللي عم نعيشها الواحد لازم يحترس ويسأل!”.


عملت جاهدة خلال السنوات التي امضيتها في فرنسا وانا اتابع دراستي هناك كي اتخلص من تلك المشاعر المريضة التي احاطوني بها ومن الاذى النفسي الذي الحقوه بي ورجعت متعالية على الجراح واكثر تمسكا بالقضايا والمبادئ الانسانية التي آمنت ولا ازال بها. وانا المؤمنة بالحرية الفردية وحرية التعبير حتى الصميم بعيدا عن اي منطق حزبي او مناطقي او حتى شعوبي مكتفية بما لدي من جهل مقفر بكل ما يختص بأمور السياسة والسياسيين.


لكن ما حدث معي اخيرا اي نهار الجمعة 14 آذار 2008 تحديدا دفعني الى ان اخرج من دائرة توجيه الانتقادات “الحبية” لكي اروي قصتي مختصرة وارفع شكواي هذه الى كل صاحب ضمير حي والى كل مؤمن بحقوق الانسان.


كنت امر بالقرب من المسجد القائم في محلة الحي الابيض في الضاحية الجنوبية فرأيت منظر قبة المسجد المهيبة مع الغيوم فأعجبني المشهد وانا الهاوية للتصوير فركنت سيارتي جانبا وتوجهت قبل ان ابادر الى اي حركة الى احد الشبان الحرس الموجود على باب المسجد واستأذنته بالتصوير فسألني لاي جهة اتبع فأجبته اني لا اعمل لاحد وان هذا العمل شخصي وانه يستطيع رؤية ما سأصور على الفور فأجابني: “طيب ما في مشكلة”. فأخرجت آلة التصوير الرقمية ووقفت بكل ثقة واطمئنان التقط الصورة المنشودة واذا بأحدهم يحجب عدسة الكاميرا من غير ان يستأذنني او يخاطبني حتى، ثم انهال علي بالاسئلة بلهجة تخلو من الادب واللياقة “شو عم تعملي؟ ما بحقلك تصوري، مين انت؟ لمين بتشتغلي؟”. فأجبته على الفور اني طلبت اذنا من حارس المسجد فاجاب متابعا لهجته السابقة: “هوي شو بفهمو، هيتي هويتك”. فبادرت الى ان اريه ما صورت واني لم اعد مهتمة بها فلم يعر ذلك انتباها وبدأ يتكلم عبر اللاسلكي وما هي الا لحظات حتى توافد آخرون من اصحاب “الفيلدات واللاسلكيات”: “هيتي هويتك”. وفي ذلك الجو الترهيبي من اشخاص بثياب مدنية لم يعرفوا عن انفسهم شعرت بالاهانة فأجبت على الفور: “ليش بدي اعطيك هويتي”. فأجاب احدهم: “عم الك هيتي هويتك”. فأجبت: “انها مع اغراضي في السيارة واني لن اعطيك اياها”. واستدرت متوجهة الى سيارتي فاذا باحدهم يشد الكاميرا من يدي جارحا معصمي وآخر يشدني بسترتي وقادوني بالقوة الى مدخل احد المباني المجاورة محتجزين اياي هناك حتى اتوا بسيارتي وفتشوها وصادروا كل ما فيها وعبثوا باغراضي الشخصية. وحين سألت احدهم وهو يعاين بطاقاتي الشخصية والمهنية “فتشوا جزداني؟”. اجاب: “نحن منعمل اللي بدنا ياه”. عندها طلبت رؤية المسؤول عنهم وعندما اتى قلت له من انا ومن اهلي ومن اخوتي وما هو عملي، عندها عرّف عن انهم أمن “حزب الله” فأحتججت على الطريقة التي عاملوني بها واعطيته رقم هاتف اخي وهو مختار ضيعتي الجنوبية كي يتصلوا به. فأجاب: دقائق معدودة واذهب في حال سبيلي. امتدت الدقائق المعدودة الى ثلاث ساعات ونصف ساعة نقلوني فيها بـ”فان اميركاني” مغطى بالستائر السوداء الى “رانج” الى “فولفو” من زاروب الى آخر وصولا الى غرفة التحقيق التي هي عبارة عن غرفة صغيرة تبلغ مساحتها حوالى 5 امتار مربعة تحتوي على كنبة وطاولة صغيرة ومقابل الكنبة مرآة عريضة على جانبها “اباجور” لتمرير الصوت. وهناك طوال ساعتين من الوقت طرحت علي مجموعة من “الاصوات” كل انواع الاسئلة التي تتعلق بحياتي العملية والشخصية ومعارفي وثقافتي وتديني…


الى ان قال لي في نهاية التحقيق احد “الاصوات”: “رح نطلعك هلأ” فخرجت وقادني احدهم نحو الباب الخارجي للشقة فوجدت اغراضي عند الباب وحين سألت عن مكان سيارتي اجابني بلهجة عنيفة انه لا يدري “ما بعرف روحي شوفيها من مطرح ما اخدوك”، وامرني ان أكف عن النظر الى وجهه. فحملت اغراضي وخرجت متوجهة بسيارة اجرة الى قرب المسجد القائم وانا افتش هناك عن السيارة. واذا باحدهم يناديني من “رانج”: “يا جميلتي يا جميلتي نطري رح نجبلك السيارة”. انتظرت في الطريق عشرين دقيقة حتى اتوا بسيارتي وغادرت حينها على الفور. واتصلت فورا باخي المختار راوية له ما حدث معي فطلب مني كتابة تقرير مفصل عن الحادثة كي يعالج الامر وكان ذلك وطالبت في نهاية التقرير الذي امضيت ليلتي في كتابته باعتذار ورد اعتبار، لكن شيئا لم يحدث مذذاك. وكأن انتهاك الحرمات وقذف الناس والتعامل معهم باحتقار هو امر عادي ومبرر. وكأن تعنيفي وتكذيبي واهانتي ومد اليد علي من امن “حزب الله” مع تجاهل الآداب والاعراف والاخلاق الدينية من مجموعة من عناصرهم امر لا يستحق الاعتذار!


واني لأتساءل: هل هكذا يعامل “حزب الله” المشتبه فيهم؟ وهل هذه هي الاخلاق الاسلامية التي يروجها وينادي بها؟ واتساءل ايضا اني لو كنت مراسلة اجنبية او على الاقل لبنانية غير شيعية وغير “ابنة الضاحية” وابنة الجنوب هل كنت سأتلقى المعاملة نفسها التي لا ترقى الى اي درجة من درجات الادب واحترام الانسان؟


وهل خطاب المنابر الانفتاحي مجرد “بروباغاندا” لتلطيف صورتهم “التوتاليتارية”؟ حيث ان اي انسان يحاول ان يكون خارج “القطيع” محكوم عليه سلفا بالعمالة والخيانة والكفر…

المصدر:
النهار

خبر عاجل