منذ متى كانت سوريا لا تقرر إلا بعد اتفاق اللبنانيين؟
التدخل الإيجابي لحلّ الأزمة مقبول من أي جهة
التدخل الإيجابي لحلّ الأزمة مقبول من أي جهة
اميل خوري
علقت اوساط رسمية وسياسية وشعبية على كلمة الرئيس بشار الاسد في افتتاح قمة دمشق في ما يتعلق بلبنان بالآتي:
اولاً: منذ متى كانت سوريا تهتم بأن يكون وفاق بين اللبنانيين حول القضايا والامور المطروحة قبل اتخاذ موقف منها؟ هل عندما عينت اربعين نائبا (بعد الطائف) كما تريد ولم تسأل عن هذا الوفاق؟ هل عندما اصرت على اجراء الانتخابات النيابية عام 1992 وعلى اساس قانون يخالف اتفاق الطائف، ولم تأبه لمقاطعة 85 في المئة من الناخبين لتلك الانتخابات وظلت مصرة على رفض تأجيلها وقررت ان تجرى بمن حضر ففاز نائب بـ45 صوتاً وآخر بـ135 صوتا ولم يعترض اي حليف لسوريا يومئذ على نتائج الانتخابات ولا اعتبر مجلس النواب المنبثق منها مجلساً غير شرعي ولا يمثل ارادة الشعب اللبناني تمثيلاً صحيحاً؟
ثانياً: هل سألت سوريا عن الوفاق اللبناني وعن اتفاق اللبنانيين عندما قررت التمديد للرئيس الهراوي ودعت من يعارض ذلك من حلفائها ومنهم زعماء بارزون امثال الرئيس بري والرئيس كرامي الى رفع اصابعهم العشرة تأييدا للتمديد؟ وهل سألت عن هذا الوفاق عندما قررت التمديد للرئيس لحود قسرا ورغم ارادة الاكثرية النيابية والشعبية وجعلت مجلس الامن الدولي بسبب موقفها هذا يصدر القرار 1559 ويعلن فيه “تأييده لعملية انتخابية حرة ونزيهة في الانتخابات الرئاسية ووفقا لقواعد الدستور اللبناني الموضوعة في غير تدخل او نفوذ اجنبي”؟
ثالثاً: هل احترمت سوريا ارادة النواب عندما صوتوا على تعديلات في قانون العقوبات ثم ارغمتهم بعد ايام على ان يعيدوا التصويت كي تأتي التعديلات بحسب رغبتها؟
رابعاً: هل احترمت سوريا ارادة الاكثرية التي كانت تطالبها باعادة نشر قواتها في البقاع تمهيدا لانسحابها الكامل من لبنان، وتطبيقا لاتفاق الطائف، فكانت تارة تطالب باجماع السلطة اللبنانية على ذلك، وطوراً باجماع الشعب اللبناني، فأدى موقفها الى تضمين القرار 1559 “مطالبة جميع القوات الاجنبية المتبقية بالانسحاب من لبنان” والى “حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها” بعدما رفضت سوريا مساعدة السلطة اللبنانية على تنفيذ ذلك؟
خامساً: هل راعت سوريا شرط الوفاق الوطني عندما كان يتم تشكيل حكومات اللون الواحد ويتكرر فيها تعيين ما كان يسمى بـ”الوزراء الثوابت” من حلفائها؟
سادساً: هل استجابت سوريا ما اتفق عليه الزعماء اللبنانيون في مؤتمر الحوار عندما صار اتفاق على ترسيم حدود مزارع شبعا للتخلص من الاحتلال الاسرائيلي لها، وعلى اقامة تمثيل ديبلوماسي بين البلدين وعلى ازالة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وضبطه في داخلها؟
سابعاً: ألم تعارض سوريا نشر الجيش في الجنوب مخالفة اتفاق الرؤساء اللبنانيين الثلاثة على ذلك فكان اخيرا قرار مجلس الامن الرقم 1701؟
الواقع، ان سوريا تتدخل في شؤون لبنان الداخلية، ويكون هذا التدخل مرفوضا عندما تجعل حدودها مفتوحة للمتسللين المشبوهين ولتهريب الاسلحة، ولكنها لا تتدخل إيجابياً بحجة احترامها لسيادة لبنان واستقلاله كما تدعي اليوم. مع ان تدخلها يكون مقبولا ومرحبا به عندما يكون ايجابيا ومن اجل حل ازمة الاستحقاق الرئاسي وليس من اجل تعقيد هذا الحل. فمن يصدق ان سوريا لا تمون على حلفائها في لبنان، وهي التي تقول جهاراً انها قوية بهم في لبنان؟ أليست هي التي كانت وراء تكوين التحالف الشيعي الذي يضم “حزب الله” وحركة”امل” وقد اقام هذا التحالف، مهرجان الوفاء لها في ساحة رياض الصلح رداً على المطالبين بانسحاب جيشها من لبنان. ومن يصدق انها لا تمون على هذا التحالف، والسلاح الى “حزب الله” يمر عبر اراضيها؟ ومن يصدق ان المحور الايراني – السوري لا يمون عليه ايضا والمال والسلاح يأتي الى الحزب من ايران؟
ان سوريا هي التي اوجدت عقدة ازمة الاستحقاق الرئاسي من خلال حلفائها في المعارضة وقالت للمتدخلين من اجل حلها ان يحلوها ان هم استطاعوا من دونها، وقررت عدم التدخل “غيرة” منها على سيادة لبنان واستقلاله… ودعت اللبنانيين الى الاتفاق على حل هذه العقدة ولكن في اطار الوفاق الوطني وعلى قاعدة لا غالب ولا مغلوب وهي تعلم ان ما تدعو اليه يصعب تحقيقه في ظل الانقسام الحاد. فهل كانت سوريا تتصرف على هذا النحو ابان وصايتها على لبنان، او كان لبنان لا يزال تحت وصايتها وهل كانت تسأل عن وفاق واتفاق بين اللبنانيين عندما كانت تتخذ القرارات؟
لقد ادخلت سوريا عقدة تشكيل حكومة وحدة وطنية عندما تم التوصل الى حل عقدة رئاسة الجمهورية بالاتفاق على ان يكون العماد ميشال سليمان هو الرئيس التوافقي ثم اضافت اليها عقدة الاتفاق على قانون الانتخاب حتى اذا ما حلت عقدة، ظل الخلاف على عقدة اخرى.
ويقول مصدر وزاري ان التدخل الايجابي مطلوب لا بل مرحب به من اي جهة اتى، اذا كان هذا التدخل يساعد على اخراج لبنان من ازمته، لكن التدخل السلبي هو المرفوض لأنه يرمي الى تعقيد كل حل.
وتساءل المصدر نفسه هل كان لبنان اعترض على تدخل سوري ايجابي لو انه رمى الى تنفيذ المبادرة العربية وفق التسلسل الذي اعلنه الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى تفسيرا للمبادرة وعاد وأكده الرئيس حسني مبارك والوزير سعود الفيصل بحيث ينتخب رئيس الجمهورية اولا ولا يظل انتخابه مرتبطا بالاتفاق على كل شيء بل كان لبنان يرحب بالتدخل وبكل تدخل مماثل لحل ازمة الاستحقاق الرئاسي.
ان المراجع السياسية والدينية المارونية التي لا مصالح ذاتية لها ترفض ربط انتخاب كل رئيس للجمهورية بسلة مطالب، وان تتحكم الاقلية المعارضة بموقف الاكثرية الموالية، فتهدّد بمقاطعة كل جلسة اذا لم توافق الاكثرية على تأييد مرشح الاقلية. وهذه سابقة خطرة اذا ما اعتمدت في كل استحقاق رئاسي، فان لبنان يواجه عند انتهاء ولاية كل رئيس كل ست سنوات، ازمة فراغ في اعلى منصب في الدولة. وهي ازمة لا حل لها الا اذا تحققت رغبة هذه الجهة الخارجية او تلك ومصلحة هذا الطرف او ذاك.
لقد بات من الضروري سد هذه الثغرة في المادة 49 من الدستور، والتي لم يفكر المشترع في سدها، لأنه لم يتصور ان نوابا قد تبلغ بهم السياسة الكيدية والمصلحية حد مقاطعة جلسات انتخاب رئيس الجمهورية اذا لم يتحقق ما يريدون، حتى ولو ادت هذه المقاطعة الى تدمير الوطن وضرب وحدته ارضا وشعبا ومؤسسات. وهذا التعديل المطلوب ادخاله على المادة 49 يقضي بأن يكون حضور النواب جلسات انتخاب رئيس الجمهورية الزاميا تأمينا للنصاب، وله بعد تأمينه ان يغادر الجلسة او ان ينتخب من يشاء رئيساً للجمهورية او يضع ورقة بيضاء. فالمهم ان تعطيل النصاب للحؤول دون انتخاب رئيس للجمهورية ممنوع كي لا تظل الاقلية المعارضة تتحكم بالاكثرية خلافا للأصول الديموقراطية.