#adsense

·· ما بعد قمّة “لم يكن بالإمكان أحسن مما كان”!

حجم الخط

·· ما بعد قمّة “لم يكن بالإمكان أحسن مما كان”!

صلاح سلام


على طريقة “لم يكن بالإمكان أحسن مما كان”، انتهت أعمال القمة العربية في دمشق على إيقاع حبس الأنفاس لدى اللبنانيين وغيرهم من إخوانهم العرب الآخرين، حذراً من تداعيات الخلافات العربية – العربية السلبية على الوضع العربي برمته·


لم يكن بالإمكان أحسن مما كان حضوراً، لأن الجهود الحثيثة التي بذلت على أكثر من صعيد لتنقية الأجواء العربية، عبر الانتخابات الرئاسية في لبنان، لم تحقق أهدافها المرجوة، لأن دمشق لم تكن مقتنعة بأهمية إجراء الانتخابات الرئاسية قبل القمة، ولأنها اعتبرت أيضاً أن الإفراج عن الانتخابات يعتبر تنازلاً لا جدوى له قبل القمة·

 

ولم يكن بالإمكان أحسن مما كان بالقرارات، لأن غياب قادة القرار العربي لم يمكّن أعمال القمة بالذهاب بقراراتها الى أبعد من التأكيد على القرارات والمبادرة السابقة، التي سبق وتم اتخاذها في قمم كان التضامن العربي فيها حاضراً بقوة وبفعالية· وفور اسدال الستار على المسرح الدمشقي للقمة وقبل أن يجف حبر إعلان دمشق والقرارات الاخرى، برزت تساؤلات ملحة في الافق العربي المبلّد عن مرحلة ما بعد القمة·

 

هل تستمر مأساة الخلافات العربية – العربية؟

ما هو مصير الملفات الساخنة المفتوحة في لبنان وفلسطين والعراق؟

ما هو دور العامل الإيراني في تأجيج الخلافات بين العرب؟

كيف نعطل مفعول المخططات الاميركية – الاسرائيلية التي تحاول جر المنطقة الى هاوية الحروب الداخلية وإشاعة مناخ الفوضى·· الهدامة؟

 

إذا حاولنا الخروج من دائرة الانفعالات والسجالات والاتهامات الى مواقع البحث عما تبقى من قواسم مشتركة ولفحات ايجابية في المناخ الذي أحاط بالقمة وما حولها، يمكن التوقف عند مؤشرات تصلح لبدايات جديدة لرأب الصدع الحالي في الجسم العربي، منها على سبيل المثال لا الحضر: 1 – عدم وصول غضب “الكبار” – السعودية ومصر الى مستوى مقاطعة القمة، فكان التمثيل المخفض بمثابة رسالة واضحة على مدى الحرص على الحفاظ على العمل العربي المشترك، وعلى وعدم الوصول الى قطيعة كاملة مع دمشق·

 

2 – خطاب الرئيس بشار الاسد في افتتاح القمة الذي اتسم بالهدوء والاتزان والاعتدال، بغض النظر عن ملاحظات البعض حول المضمون، والذي ابتعد فيه عن التصعيد الذي لازم خطابه في منتصف آب عام 2006، والذي فجر الخلافات مع الرياض والقاهرة·

3 – كلام الامير سعود الفيصل في المؤتمر الصحفي ظهيرة يوم الافتتاح، والذي خاطب فيه القمة والرأي العام العربي في آن، مؤكداً على الحرص السعودي خاصة والعربي عامة، على عودة سوريا الى إطار العمل العربي المشترك، ونافياً ما يروج عن محاولات لعزل سوريا عربياً، ومشيراً الى أن سوريا دولة مهمة في المنطقة، وهي في قلب الامة العربية، دون أن تفوته الإشارة الى اتفاق الطائف الذي ينص على إقامة العلاقات المميزة بين لبنان وسوريا في إطار الاحترام المتبادل لسيادة واستقلال وخصوصية كل بلد·

 

4 – كلمة الرئيس فؤاد السنيورة عشية افتتاح القمة شرح فيها أسباب عدم ذهاب العضو المؤسس للجامعة الى القمة، مؤكداً على الحرص على إقامة أمتن العلاقات الصحية والصحيحة مع الشقيقة سوريا على قاعدة الندية والاحترام المتبادل، ورفضها بقاء لبنان مركز نفوذ لأحد، أو ساحة لتصفية الحسابات، وطارحاً خريطة طريق من ستة بنود لتطبيع العلاقات مع سوريا·

 

إن القراءة المتأنية في هذه المواقف، بعيداً عن مقاييس التفاؤل والتشاؤم، تبين أن كل الاطراف العربية المعنية بهذه المرحلة الصعبة قد أبقت الباب مفتوحاً أمام مسالك الحكمة والحوار·

 

فمن أين يمكن أن نبدأ؟

 

الواقع، وبكل موضوعية، يمكن القول إن المسؤولية للاولى تقع على عاتق الرئيس بشار الاسد، كرئيس للنظام العربي المشترك لمدة عام كامل، مع كل ما يحمله هذا الموقع الكبير من مسؤوليات قومية، خاصة بالنسبة لترميم العلاقات العربية – العربية، واستعادة ديناميكية الثلاثي العربي – في زمن الازمات·

 

أما في حال عدم التركيز على أولوية استعادة التضامن العربي، واستمر تفاقم الخلافات السورية مع كل من السعودية ومصر، فهذا يعني أن الوضع العربي سينزلق الى هاوية جديدة من المواجهات والصراعات العربية – العربية، من شأنها أن تجعل الاخطار الداهمة محدقة بالنظام العربي برمته·

 

ليس دقيقاً الكلام عن أن الخطر الذي يهدد لبنان لا يصل الى سوريا، وأن ما يهدد غزة لا يصل الى مصر، وأن ما يجري في العراق تنحصر سلبياته وتداعياته في بلاد الرافدين· لقد أثبتت تجارب الماضي، والوقائع التاريخية المختلفة، أن الخطر الذي يهدد أي بلد عربي يمكن أن تصل تفاعلاته السيئة الى اي بلد عربي، خاصة دول الجوار·

 

ولم يعد خافياً أن المخططات الصهيونية، والتي تلقى دعماً أميركياً واضحاً تستهدف المنظومة العربية بأكملها، وليس بلداًعربياً معيناً وحسب، والهدف الاساس يبقى تحويل المجهود العربي من دائرة الصراع العربي – الاسرائيلي الى مستنقعات الحروب الداخلية، الطائفية والمذهبية والعنصرية، بهدف خربطة أوضاع الكيانات السياسية الحالية، وإعادة رسم خريطة المنطقة بمجموعة من الدويلات المتناحرة فيما بينها، حتى يبقى الكيان الصهيوني هو الطرف الاقوى في المنطقة·

 

ولكن ماذا عن دور ايران المتزايد في ملفات المنطقة، والوزير الايراني كان ممثل الدولة الاقليمية الوحيدة التي حضرت قمة دمشق؟ إن مشاعر الخيبة السائدة في القاهرة والرياض من نتائج الحوار مع طهران، لا تمنع القول انه اذا كانت ايران حريصة على مكانة حليفتها العربية الوحيدة سوريا، فعليها أن تعمل بجدية والتزام واضح على تسهيل مهمة دمشق في ترميم علاقاتهاالعربية، خاصة مع الرياض والقاهرة، وليس الاستمرار في “استثمار” الخلافات العربية لإبعاد عاصمة الامويين عن “إطار العمل العربي المشترك”· هذه الافتراضية تقودنا الى الكلام عن رفض عربي واضح وحاسم لمحاولات الهيمنة الايرانية على الاوضاع العربية، عبر الإمساك بملفات الازمات الساخنة في لبنان وفلسطين والعراق والتدخل بالشؤون الداخلية لبعض الدول العربية·

 

لقد أصبح واضحاً أن الإصرار الإيراني على التمدد الراهن داخل المنظومة العربية من شأنه أن يفجر سلسلة من المواجهات العربية – الايرانية، على حساب التصدي المشترك للخطر الصهيوني، الامر الذي سيصب في النهاية لمصلحة العدو الصهيوني، ومخططات إثارة الاضطرابات والفوضى في المنطقة، كما تسعى اليها الولايات المتحدة الاميركية، تحت شعار محاربة الارهاب والاسلام المتشدد!!

لقد انتهت قمة، “لم يكن بالإمكان أحسن مما كان” لأن الاجواء الخلافية التي سبقت انعقادها أبعدتها عن مواجهة التحديات التي تواجه الأمة·

 

فهل تشهد مرحلة ما بعد القمة عمليات ترميم العلاقات العربية – العربية “في المختبر” “الازمة اللبنانية، ويكون انتخاب الرئيس التوافقي فاتحة تنقية الاجواء العربية، وصولاً الى إصلاح الخلل الحالي الذي ضرب مسيرة العمل العربي، المشترك؟

قولوا إن شاء الله··!

المصدر:
اللواء

خبر عاجل