القمة السورية، قمة سلام يبدأ في ومن لبنان ؟
غسان تويني
… وهكذا انتهت “القمة” (أم ترانا نقول “نصف القمة”) إنما بسلام ودعوات استراتيجية الى السلام في كل مكان، بما في ذلك لبنان، حيث يُفترض أن يستأنف الامين العام مبادرته، هذه المرة، في رعاية الرئاسة السنوية السورية!
فأهلاً وسهلاً. ننتظرك يا سيادة الامين العام الصديق، انما بتحفظ نصارحك به، ألا وهو ألاّ تستأنف من حيث انتهيت… أو لم تنته خلال زياراتك السابقة.
فأهلاً وسهلاً. ننتظرك يا سيادة الامين العام الصديق، انما بتحفظ نصارحك به، ألا وهو ألاّ تستأنف من حيث انتهيت… أو لم تنته خلال زياراتك السابقة.
هذا هو التحفظ.
وأبعد منه: رجاء، هو أن تأخذ في الاعتبار أن ما اعتبرته المرة الماضية صالحاً لانجاحك، ولم تنجح، لا بد أنه لن يصلح هذه المرة لمجرد انك تحاول من جديد.
بالطبع، لا ننتظر منك أن تكون سواك، او تتغير في الرأي والمسلك.
ولكن لا يفوتك أن الظروف الموضوعية، وربما استطراداً المواقف او بعضها هي غير ما كانت عند انطلاقتك الاولى، ثم الثانية… فحتى تكون الثالثة ثابتة نرى من حقنا، بل واجبنا أن نلفتك الى الامور الآتية:
أولاً: سوريا الرئيسة للقمة، تريد ولا ريب ألا تُمضي سنة رئاستها رئيسة لنصف العرب، وبالكاد!… وعرب أراد العقيد القذافي أن يجلبب اجتماعهم بما يمنع الاجماع الذي من حق دمشق أن تستمر تطمح اليه، كما صار يبدو من تصرفها. وطموحنا أن تستمر وتنجح. والذي بدا اكيداً حتى الآن أن النظام السوري غير مستعد لأن يسلك النهج القذافي، فمن أحرى منك يا سيادة الأمين العام بأن تساعده لينجح في توجّه يخرجه من كونه فريقاً في الازمة اللبنانية وسواها ليتصرف كحكم؟
ثانياً: منهجياً، هذه المحاولة تفترض بل تفرض عليك أن تبدأ الجولة الجديدة (المنقّحة) من مبادرتك بزيارة دمشق لتقنعها بأن ثمن نجاح رئاستها للقمة ليس تخلّيها عن اصدقائها (ولا نقول حلفاءها) في لبنان، بل القبول بأن يكون نجاحهم ونجاحها هو في حل لبناني توافقي سريع قوامه انتخاب الرئيس التوافقي المنشود، أياً يكن، العماد قائد الجيش أو سواه من الذين ذكّر الرئيس البري أنه جرى تداول اسمائهم، وكأنه يرشّحهم للتداول – لا أكثر – من جديد. ومن ثم يتولى الرئيس الجديد، وفقاً للدستور، تأليف حكومة توافقية بالتعاون مع رئيس المجلس وكل التكتلات النيابية، وتضع الحكومة “مشروع قانون انتخاب جديداً” كما جاء في قرار الجامعة العربية الذي أطلق المبادرة.
ثالثاً: جوهر مبادرتك مع سوريا، يا سيادة الامين العام، يجب ان يكون – وهو في نظرنا – اقتناعها بأن السلام واحد، من اقصى الجنوب العربي إلى اقصى الشمال، متماسك النهج. وتالياً لا تضيعن اي وقت في حل القضية الفلسطينية مثلا أو إعادة توحيد العراق، ما دام لبنان مستمراً كمشروع حرب جديدة، مهيأة لأن تعيد تفجير ما يمكن ان يكون قد أخمد من حرائق.
رابعاً: اذاً، ومتى وافقت دمشق على أن تحاول انت معها استعادة الاجماع العربي، فعليك اذذاك أن تزور الملك عبدالله بن عبد العزيز، متسلحاً بكونه المؤتمن على النهج المحافظ، وهو الملقّب خادم الحرمين الشريفين. والزيارة هذه منطلقها لن يكون طلب تأثيره على الفريق اللبناني الأكثري – وهذا تحصيل الحاصل – انما طلب تفاهمه مع الرئاسة السورية خدمة للاجماع العربي المطلوب استعادته بدءاً من – أو توصلاً إلى، لا فرق ! – مشروع السلام الذي يحمل اسم جلالته والذي كررت القمة، رغم الغياب السعودي، ملاءمة الرجوع اليه وبعثه. وليس من يمكن ان يعتقد ان الرئاسة السورية ستتردد في المساهمة في رعاية هذا المشروع وتبنّي طرحه، وحتى على الرئيس جورج بوش او وزيرة خارجيته اذا زار او زارت دمشق كما لا نستبعد. وطرح دمشق المشروع السعودي، بموافقة الرياض وبالتنسيق معها، يكسبها لدى كل المحاورين، وخصوصا لدى “الثنائي” الأميركي – الروسي الذي يتناوب قطباه في إلقاء العظات والنصائح ذاتها على الجميع تدليلاً على وجود قرار اجماعي بالسعي الى السلام على أعلى المستويات. ومنتهى النجاح للرئاسة السورية ان تكون المحاور الاقليمي لهذا الاجماع في القمة.
خامساً: اذا كان لا بد من مسايرة البحث الذي صار تقليدياً عن “الثمن” يتقاضاه هذا الفريق او ذاك مقابل اعتماده النهج الذي نقترح… ففي نظرنا أن النهج “الرئاسي” السوري يفتح كل الابواب وأوسعها أمام رأب كل صدع في العلاقات اللبنانية – السورية. ويمكن تدشين ذلك فوراً باقامة العلاقات الديبلوماسية المنشودة التي ترعى هي اذذاك ترسيم الحدود وتمهّد لاستعادة شبعا ومزارعها.
أما “السعودية”، فمكسبها العودة الى واجهة الاجماع العربي يداً بيد مع دمشق التي تبطل أن تكون قطب السياسات المناوئة للمملكة أو الراعية لكل نشاط متطرف، من “جند الشام” الى “حزب الله”.
والمكسب الأكبر، اذا صحّت هذه السياسة، هو للعالم العربي، لأن ذلك هو السبيل الوحيد لتشجيع واشنطن على التعامل مع مرجعية عربية ذات “صدقية” اجماعية التطلع.