#adsense

المطلوب عربياً للبنان “حل” لا “مخرج” لا يتحقّق

حجم الخط

لأنه لم يعُد جائزاً بعد القمّة أن تراوح المبادرة العربية مكانها
ولأنّ الذهاب الى الأصل السوري للأزمة محتّم

المطلوب عربياً للبنان “حل” لا “مخرج” لا يتحقّق

نصير الأسعد

 

أسفر غياب لبنان عن قمة دمشق وخفضُ الدول العربية الرئيسية مستوى تمثيلها فيها عن نتيجَتين سياسيّتين “كبيرتين” بالنسبة الى لبنان. الأولى تأكيد أن “الأزمة اللبنانية” هي في حقيقتها أزمةٌ لبنانية ـ سورية. والثانية أن “معركة” لبنان لترسيخ استقلاله وسيادته وحماية مساره الدستوري الديموقراطي هي معركةٌ عربية.


في ضوء هاتَين النتيجتين الثابتتين، لم يعُد جائزاً أن تبقى المبادرة العربية التي أقرّها مجلس وزراء الخارجية العرب قبل نحو ثلاثة أشهر، عند “النقطة” التي انطلقت منها.


المبادرة و”حدودها” السابقة


فمنطلق المبادرة أن الأزمة في لبنان لبنانية ـ لبنانية في حين أن جانبها اللبناني ـ اللبناني ليس سوى نتيجة للأزمة اللبنانية ـ السورية.


وحتى عندما أضاف وزراء الخارجية العرب بند “تصحيح العلاقات اللبنانية ـ السورية” الى المبادرة وكبند مستقلّ “ضمنها”، فإنهم في “وعيهم” و”تعاطيهم” مع هذا البند أوحوا بأنه لا يعدو كونَه عاملاً مساعداً لتنفيذ المبادرة، أي أنه ليس المشكلة الرئيسية التي تتفرّع عنها سائر المشكلات.


تصوّف النظام السوري حيالها


وحيال ذلك، وجد النظام السوري مجالاً مفتوحاً للاستمرار في القول إن “الحلّ هو بينَ اللبنانيين أنفسهم” متهرّباً من دوره في “الأزمة”، في حين لم يجد وزير خارجية النظام وليد المعلّم حرجاً في الدعوة الى “تعاون” أو “تفاهم” سوري ـ سعودي حول لبنان. ولا يخفى هنا الخبثُ في هذه الدعوة، إذ يحاول النظام في سوريا وضع المملكة العربية السعودية في موقع المتدخّل في الشؤون اللبنانية وفي “الأزمة” من جهة ويحاول أخذ شرعية من المملكة لتدخّله هو في لبنان في الوقت نفسه من جهة ثانية.


وكان لافتاً، عندما قال الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى في عرضه أمام القمّة إن ما تم التفاهم عليه حتى الآن من مبادئ عامة حول “حكومة الوحدة الوطنية” وقانون الانتخاب “بات يسمحُ بالانتقال الى انتخاب الرئيس التوافقي”، انّ المعلّم الذي كرّر طوال الوقت كلاماً ممجوجاً عن “الحل اللبناني”، سارعَ الى الحديث عن “السلّة المتكاملة”.


إذاً، لم يعُد ممكناً أن تبقى المبادرة العربية في “المكان” الذي توقّفت فيه. فلا المملكة العربية السعودية في وارد تفاهم مع النظام السوري “على” لبنان، ولا النظام السوري في وارد التخلّي عن دوره التعطيلي الذي يمارس نفوذه في لبنان من خلاله، ولا اللبنانيون ـ بأكثريتهم ـ في وارد الاستسلام.


لا معنى لمحاولات هدفها “مخرج” لم يتحقّق أصلاً


ولا “معنى” لاستئناف المحاولات حول المبادرة بما هي البنود الثلاثة، طالما أن المحاولات السابقة فشلت أمام إصرار الأقلية ـ بإيعاز سوري ـ على ربط انتخاب الرئيس بحكومة تتمثّل فيها الأقلية بـ”الثلث المعطّل”، وعلى ربط انتخاب الرئيس وقيام الحكومة بموافقة مُسبقة من الأكثرية على قانون 1960 للإنتخابات النيابيّة.


لا “معنى” لاستئناف المحاولات هذه لأن حصيلتها السابقة كانت سلبية ـ بسبب دمشق و”معارضتها” ـ ولأن شيئاً لم يتغيّر على هذا الصعيد. وفي الأصل، حتى لو نجحت المبادرة العربية ـ في بنودها الثلاثة ـ لكان هذا النجاح عبارةً عن “مخرج” ـ مجرّد “مخرج” ـ من الأزمة، إذ لا ترقى البنود الثلاثة الى مرتبة الحلّ، بما أن التدخّل السوري مستمرّ، ومشروعُه لاستتباع لبنان قائم، وبما أن هدفه ـ عبر “معارضته” ـ هو تجديد السيطرة على البلد.


بعد القمّة وفي ضوء نتيجتَيها المشار إليهما، صار المطلوب “حلاًّ” وليس “مخرجاً”.
وأن يأتي عمرو موسى الى لبنان مجدداً، فهو موضع ترحيب دائماً. ولأنه الأمين العام للجامعة العربية، فهو ناطقٌ باسم محصّلة الموقف العربي. ومحصّلة الموقف العربي تقول إن الأزمة في لبنان سورية “المنشأ”. وليس للرئاسة السورية للقمة أي علاقة بـ”الحركة” التي يُفترض أن تحصل من أجل “الحلّ” في لبنان، لأنها رئاسةٌ ـ طرف ولا تمثّل المحصّلة العربية.


“الحلّ” إقترحه السنيورة


أما “الحلّ” فقد اقترحه رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة، ودعمته 14 آذار.
ففي الكلمة التي وجّهها الى القادة العرب ـ وإلى اللبنانيين ـ طالب الرئيس السنيورة باجتماع عربي على مستوى وزراء الخارجية للبحث في الأزمة اللبنانية ـ السورية وصوغ اتجاهات معالجتها.


في كلمته هذه، لم يعط السنيورة رأياً “خاصاً في الأسس التي يجب أن تنهض العلاقات اللبنانية ـ السورية عليها.
فهو إذ أكد أن شرط إستقامة العلاقات هو الانسحاب السوري من التدخل في لبنان إستكمالاً للانسحاب “العسكري”، حدّد مرجعيات العلاقات اللبنانية ـ السورية. اتفاق الطائف مرجعية أولى، مقررات الحوار الوطني في 2006 مرجعية ثانية بما هي مقررات تشمل اعتراف النظام السوري بالكيان اللبناني وإستقلاله وسيادته سواء ما يتعلق بالتبادل الديبلوماسي أو ما يتعلق بتحديد الحدود وترسيمها أو ما يتصل بالأسلحة والمسلحين على الأراضي اللبنانية… والقرار 1701 مرجعية ثالثة بما هو قرار دولي يتعلق في جانب رئيسي منه بالأمن على الحدود اللبنانية ـ السورية.
إذاً، في مقاربته لـ”الحلّ” إستحضر الرئيس السنيورة مرجعيات تحظى بإجماع لبناني، لا مرجعيات مختلف عليها بين 14 أذار و”المعارضة”.


المسؤولية العربية: سحب سوريا أولاً
وفي تقديره، كما في تقدير معظم اللبنانيين أن مسؤولية العرب مسؤوليتان. الأولى هي السهر على وقف التدخل السوري في لبنان، بل إجبار النظام السوري على ذلك. والثانية هي رعاية تأسيس العلاقات اللبنانية ـ السورية على الركائز المشار اليها.


وفي تقديره، كما في تقدير معظم اللبنانيين أن العلاقات مصاغة على تلك الأسس تشكل ضمانةً مشتركة للبنان وسوريا، وأن الانسحاب السوري “الكامل” من لبنان هو ضمانة له.
إذ ذاك، وإذ ذاك فقط، يصبح الحل اللبناني ـ اللبناني ممكناً، أو يصبح الحل اللبناني ـ اللبناني بمساعدة عربية ممكناً، أو يصبح الحل العربي بتنفيذ لبناني ممكناً.


بعد القمّة، صار المطلوب ان تُستأنف المبادرة العربية من “مكان” آخر: من حقيقة أن أزمة لبنان سوريّة المنشأ. وبعد القمّة التي نجح النظام السوري في جعلها فاشلة بسبب دوره التعطيلي والتخريبي في لبنان، لم يعد ممكناً ـ ولا مقبولاً ـ ان يتم القفز فوق هذه الحقيقة، وكأن القمّة لم تفشل أو كأن شيئاً لم يحصل.


ان الوضع العربي على المحك. والجامعة العربية على المحك. وأمينها العام عمرو موسى على المحك. ويكفي لبنان الفرص التي تعطى للنظام السوري على حساب استقلاله واستقراره.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل