#adsense

التحريف وأميّة اللبنانيين !

حجم الخط

التحريف وأميّة اللبنانيين !

راجح الخوري

 

حصة لبنان من “إعلان دمشق” كلام فارغ تماما. هذا امر طبيعي، فعلى المرء ان يكون معتوها لكي ينتظر شيئا من قمة انعقدت على هذا النحو المتدني في الحضور والمرتفع في الانقسامات، على الاقل بسبب الخلاف السعودي والمصري والاردني مع سوريا على التعطيل المتمادي لانتخاب رئيس للجمهورية في لبنان بما يضع ازمته على طريق الحل.


ان التشديد على “الالتزام بالمبادرة العربية لحل الازمة اللبنانية ودعوة القيادات السياسية اللبنانية الى انجاز انتخاب المرشح التوافقي العماد ميشال سليمان في الموعد المقرر والاتفاق على اسس تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في اسرع وقت ممكن”، وهو ما ورد في الاعلان، سيبقى مجرد انشاء عربي، ليس لان المبادرة العربية ماتت وشبعت موتا كما يقال، ولا لان الامين العام للجامعة العربية ليس مستعجلا العودة الى بيروت الآن كما يقول، ولا لانه يرى ان المنطقة العربية كلها على كف عفريت، وان اي انفجار سينعكس اولا على لبنان، بل لان الذين تابعوا وقائع القمة الى آخرها سمعوا وشاهدوا بأم العين تحريفا علنيا لتراتبية المبادرة العربية سواء في نصها الاساسي او المعدل.

 

فعندما شرع الوزير وليد المعلم في الحديث عن هذه المبادرة في المؤتمر الصحافي النهائي، بدا واضحا تماما ان عمرو موسى واقع في التبرم وان ليس في فيه مياه النوافير في فناء الفندق الدمشقي فحسب، بل هدير نهر بردى القريب.
ورغم ذلك آثر، على ما يبدو، في قمة الاعصاب المشدودة ان يبقى مثل “ابو الهول” يبتلع ريقه ويغرق في صمته!
لماذا؟


لان الوزير المعلم قال حرفيا: “هناك مبادرة عربية. فقد اتفق العرب على ثلاث نقاط على خطة متكاملة. الآن يجري تحريف هذه المبادرة، يريدون ان ينتخب الرئيس ثم يتم الاتفاق على النقاط الاخرى وهذا خروج على المبادرة…”.


هذا الكلام يتناقض كليا مع الكلام الذي كان الامين العام قد ادلى به في دمشق قبل 48 ساعة حيث قال حرفيا: “ان المبادرة عبارة عن سلة من الخطوات او العناصر ويمكن الاتفاق على اطارها. ولكن عندما تتحدث عن الخطوات نفسها لا يمكن تشكيل الحكومة قبل انتخاب الرئيس. اذن، يجب ان يأتي انتخاب الرئيس قبل تشكيل الحكومة. وشيء طبيعي ان يكون الانتخاب هو الخطوة الاولى، لكن ان يكون في اطار تفاهم على الكل قبل هذا…”.


وكلام المعلم يتناقض اصلا مع نص المبادرة المعدلة كما صدرت في 27 كانون الثاني الماضي، حيث تقول في البند “أ”: “انجاز انتخاب الرئيس التوافقي العماد ميشال سليمان في الموعد المحدد لجلسة الانتخاب…”. (وكان يومها في 11 شباط 2008). ثم تقول في البند “ب”: “اجراء المشاورات للاتفاق على اسس تشكيل حكومة “الوحدة الوطنية”.
واذا تذكرنا ان الدستور يعطي رئيس الجمهورية دورا اساسيا في تشكيل الحكومة يصبح واضحا ان الحديث عن اتفاق على الكل في غياب رئيس الجمهورية هو مجرد هرطقة دستورية.


لقد استمع موسى الى المعلم يتحدث عن “تحريف المبادرة العربية” رغم فشله المتكرر في محاولات اقناع دمشق بعدم تحريف المبادرة لان التحريف وحديث “السلة” كانا من الحجج التي زُوِّدتها المعارضة اللبنانية، بما ادى الى اجهاض المبادرة على ما هو معروف من المحيط الى الخليج.


واذا كانت الارادة العربية قد عجزت عن تنفيذ هذه المبادرة، وهو ما ادى الى جعل ازمة لبنان كابوسا سبق القمة وهيمن على فضائها وسيأخذ ابعادا مقلقة الآن بعدها، فان كل حديث عن آليات لترتيب العلاقات العربية – العربية سيبقى مجرد امنيات او اوهام.


لم يردّ موسى على كلام المعلم حول التحريف ربما لانه حرص على ان يُختتم آخر مشهد في القمة من دون جدال مُحرج امام الصحافيين، وربما لانه يعرف تماما ان الامير سعود الفيصل كان قد قدم عرضا تفصيليا صريحا وواضحا ودقيقا تعمد ان يأتي متلازما مع افتتاح القمة، شرح فيه مسلسل التحريف الذي تعرضت له المبادرة العربية على يد سوريا وايران. لكن وزير خارجية السعودية لم يتوقف عند حدود تعطيل المبادرة، بل ذهب عميقا في تشخيص سياسة التعطيل وسد الطرق في وجه الحل العربي في لبنان، منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري و”عمليات الاغتيال التي تبعته مستهدفة التيار نفسه”!


وبدا واضحا من خلال العرض المتسلسل الذي قدمه الفيصل ان الازمة لا تقف عند حدود افشال المبادرة العربية وانتخاب رئيس جديد، بل تذهب ابعد من ذلك في السعي لدفع لبنان الى موقع اصطفافي داخل التحالف السوري – الايراني، وهو ما ينعكس سلبا وضررا على لبنان وعلى المصلحة العربية عموما.


وعندما يربط الفيصل مخطط التعطيل في لبنان بمحاولات تعميق الصدع الفلسطيني وتعطيل الحلول السياسية في العراق والعبث بالقضايا العربية عموما، فانه يكون قد سعى فعلا الى وضع القمة العربية امام مسؤولياتها الحاسمة والدقيقة وسط حمى الصراع الاستراتيجي في المنطقة، وهو صراع تُقرع في سياقه طبول العداء لاميركا لان العداء للسياسة الاميركية المفرطة في الغباء والانحياز الى اسرائيل، يشكل غواية ويلقى شعبية في المنطقة العربية. وبقطع النظر عن مدى تأثر اميركا بكل هذا فان الهدف الميداني الذي بدأت تظهر ملامحه في امكنة كثيرة الآن، هو امتداد للأذرع الاميركية في اتجاهين بهدف امتلاك “سلاح النفط” من جهة والقبض على “سلاح القضية الفلسطينية” من جهة ثانية!!


ومن خلال كلام الفيصل يمكن فهم الابعاد الكامنة وراء كل ما قيل عشية القمة من تشكيك وتفخيخ عن “المبادرة العربية للسلام”، ليس لان خادم الحرمين الشريفين هو الذي اقترحها فحسب، وقد صارت الآن تمثل رسميا وجهة نظر الامة التي كانت تتهم بانها لا تملك افقا او تصورا للسلام او التسوية، بل لان ايران تطرح استراتيجيا مناقضة قد تبدو ملائمة الآن لحساباتها النووية واطماعها المحورية على مستوى اقليمي.


وسط كل هذا ليس كثيرا ان يتحدث عمرو موسى عما يشبه اليأس من الوضع في لبنان حيث قال: “ان معظم القيادات السياسية صارت هي الغالبة بينما المغلوب على امره هو المواطن اللبناني(…) واي انفجار في المنطقة سينعكس اولا على لبنان”!

المصدر:
النهار

خبر عاجل