سورية لا تريد التفريط بـ «إنجاز القمة» والفاتيكان يتحرك مسيحياً لمصلحة انتخاب سليمان
لن تغرق الساحة اللبنانية، على الأقل في المدى المنظور، في تطورات دراماتيكية تأخذ طابع التصعيد السياسي والأمني، وتكون مؤشراً ما بحسب مصادر مراقبة في بيروت، الى ما سيكون عليه الوضع بعد القمة العربية، على رغم الاختلاف القائم بين الأكثرية والمعارضة في تقويمها لنتائجها وارتداداتها على الداخل.
وتعتقد المصادر نفسها ان هناك جملة من العوامل والمعطيات لا تزال تدفع، وحتى إشعار آخر، باتجاه الإبقاء على الإدارة الهادئة للأزمة اللبنانية، وأن كلاً من طرفي النزاع يترقب تحرك الآخر ليبني عليه تحركاً معاكساً، لا سيما إذا وصل الأمر الى حد إعادة النظر في قواعد اللعبة المستمرة منذ شغور منصب الرئاسة في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.
وترى المصادر ان دمشق، وفق وجهة نظرها، التي يؤيدها حلفاؤها في لبنان، تتصرف على أساس ان القمة كانت ناجحة وحققت ما تريده من استضافتها قياساً الى حجم الضغوط التي مورست على بعض جهات عربية وأدت الى خفض تمثيلها في القمة.
وتضيف المصادر، ان انطلاقاً من هذا الاعتقاد السائد لدى سورية وحلفائها، ستحاول دمشق الحفاظ على «الإنجاز» الذي حققته في القمة وستدعم الجهود الآيلة الى التهدئة في لبنان طالما لن تبدل من واقع الحال السياسي وستبقي على الجمود الطاغي على الوضع، ناهيك بأن دمشق، كما تقول المصادر، لن تدخل في سجال مع الدول التي خفضت تمثيلها في القمة، تاركة لعدد من حلفائها في لبنان «الثأر» السياسي من رئيس الحكومة فؤاد السنيورة بسبب عدم مشاركته في القمة، مع ان مصادر مقربة من دمشق تنظر بارتياح الى غياب لبنان لأن حضوره كان سيتسبب لها بأكثر من إحراج يتجاوز مراسم الاستقبال الى الغوص في متاهات الملف اللبناني وأسباب تعثر انتخاب رئيس الجمهورية.
كما ان دمشق لن تبادر في الوقت الحاضر الى شن حملة على الدول العربية التي خفضت مستوى تمثيلها في القمة لأن هذه الدول لم تفتح النار عليها، وبالتالي لا بد من الإبقاء على الأبواب مفتوحة لعل الوساطات العربية تفلح في إعادة التواصل بين دمشق من ناحية والقاهرة والرياض من ناحية ثانية. إلا ان مصادر ديبلوماسية عربية تعتقد بأن التواصل بين دمشق والقاهرة والرياض في شأن ازمة لبنان انقطع وأصبحت القضية الآن في عهدة مجلس وزراء الخارجية العرب، إضافة الى الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى في ضوء تأكيد القمة التزامها بالمبادرة العربية كإطار وحيد لتسوية الأزمة في لبنان.
وفي هذا السياق، تعتقد المصادر نفسها ان قول الرئيس السوري بشار الأسد في افتتاح القمة ان ضغوطاً تمارس عليه للتدخل في لبنان وأنه يرى ان الحل كان ولا يزال بيد اللبنانيين، لا يلقى استجابة من جهات عربية اساسية وقوى دولية فاعلة تتعامل معه على انه يعرقل تطبيق المبادرة العربية. وبالتالي فإن لبنان موضوع الآن تحت الرقابة المشددة من جانب المجتمع الدولي وأن أي تهديد لاستقراره سيضطره الى اتخاذ الموقف المناسب من سورية.
وتؤكد المصادر الديبلوماسية ان الحرص الذي يبديه التحالف الشيعي اللبناني بقوتيه الرئيستين حركة «أمل» و «حزب الله» في عدم الرد على الموقف الذي أعلنه اخيراً وزير خارجية المملكة العربية السعودية الأمير سعود الفيصل وحمّل فيه المعارضة في لبنان مسؤولية اعاقة الحل العربي لأزمته الداخلية، يعود الى رغبة سورية – إيرانية بعدم فتح سجال جديد، نظراً الى ان طهران لا تريد ان تصل في علاقاتها بالرياض الى طريق مسدود وإن كانت لم تنجح حتى الساعة في إقناع دمشق، كما تعهدت، بتقديم التسهيلات لانتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية. ولم تستبعد المصادر ان تترك مهمة الرد الى عون الذي لا يشكل رده إحراجاً لسورية باعتباره ليس حليفاً مباشراً لها.
وتضيف المصادر ان دمشق لا ترغب في تسريع خطوات سلبية من شأنها ان تستعجل تسعير الخلاف مع الرياض والقاهرة، مشيرة الى ان الرئيس الأسد اقتنع في لقاءاته بعدد من قادة العرب بضرورة الحفاظ على حد أدنى من التهدئة فسحاً في المجال امام قيامهم بوساطة لترطيب الأجواء ومؤكدة ان النصيحة العربية إليه تقاطعت مع توجه بعض المحيطين به الى ان المصلحة السورية تقتضي ترك الباب مفتوحاً امام الجهود العربية لرأب الصدع.
ولم تستبعد المصادر ان تعاود طهران تحركها باتجاه الرياض في محاولة جديدة لإصلاح ذات البين بين الأخيرة ودمشق انطلاقاً من رفضها إحداث فتنة مذهبية في لبنان لأن أي خلل في الوضع الراهن سيؤدي الى تعميق الخلاف بين السنّة والشيعة ويحرج طهران قبل غيرها.
وكشفت مصادر ديبلوماسية أوروبية لـ «الحياة» ان الفاتيكان يدرس القيام بتحرك ضاغط نحو الأطراف المسيحيين بغية إحداث تغيير في المشهد المسيحي يصب لمصلحة انتخاب سليمان رئيساً للجمهورية باعتبار ان هناك إجماعاً على انتخابه ومن ثم التوافق على قانون الانتخاب الجديد بصرف النظر عن استمرار الاختلاف في شأن تشكيل حكومة وحدة وطنية.
وأكدت المصادر ان الضغط الذي سيمارسه الفاتيكان يستهدف بالدرجة الأولى رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» العماد ميشال عون، لإقناعه بتسهيل انتخاب سليمان، وعدم الرهان على إمكان فرض تغيير جذري في الخريطة السياسية يقوده الى سدة الرئاسة الأولى عبر تمديد الفراغ الرئاسي الى حين إجراء انتخابات نيابية تحصل بموجبها المعارضة على اكثرية المقاعد في البرلمان.
واعتبرت ان استعداد الفاتيكان للتحرك في الشارع المسيحي بدءاً من عون ينطلق من اقتناعه بأن الأخير تحول الى رأس حربة يحمي بمواقفه حلفاءه في المعارضة، أو معظمهم، ممن قرروا الانقلاب على ترشح سليمان، لكنهم لا يملكون الجرأة على إعلان مواقفهم ويتعاملون مع «الجنرال» باعتباره قادراً على تأخير انتخابه من خلال ربطه باستجابة الأكثرية لشروطه.
ولفتت الى ان اقتناع عون بتغيير موقفه سيؤدي الى تبديد العقبة الأساسية التي ما زالت تحول دون انتخاب سليمان، وقالت ان حلفاءه سيضطرون الى التسليم بالواقع السياسي بعد ان يصبح موقفهم مكشوفاً ولا يعود في إمكانهم التلطي وراء شروط «التيار الوطني الحر».
وبالنسبة الى عودة موسى الى بيروت، علمت «الحياة» من مصادر عربية انه سيتريث في تحديد الموعد الى حين توافر معطيات جديدة تختلف عن السابقة تشجعه على المجيء لإعادة تفعيل المبادرة العربية.
وأكدت المصادر ان موسى لا يزال في مرحلة استطلاع مواقف الأطراف اللبنانيين بعد اختتام القمة، ورأت انه سيأتي الى بيروت عاجلاً أو آجلاً، لكن الترجيح ليس قبل منتصف الشهر الجاري، إلا اذا تقررت دعوة وزراء الخارجية العرب الى اجتماع طارئ في القاهرة للتداول في ما يمكن القيام به لإنقاذ المبادرة العربية على قاعدة انتخاب سليمان اولاً ليقوم برعاية الوفاق اللبناني – اللبناني وتصحيح العلاقات مع سورية وتنقيتها من الشوائب.
محمد شقير