العقيد الفنان
راشد فايد
فنان العقيد معمر القذافي. بل وفنان قدير. انه ينجح باستمرار في الخروج على المألوف والمتوقع، وفي ابتداع حيز له في الانقسام العربي غير المستجد سوى في عمقه، هذه المرة، والاحرى هذه القمة، ليظهر في ثوب المتعالي على الاختلاف، والمترفع عن الوقائع السياسية التي تدينه كما غيره من الانظمة والزعماء.
ولأنه فنان قدير نجح في اعطاء قمة دمشق نكهة لوّنت وجهها الباهت في غياب ما يقارب نصف عدد القادة العرب. من هذه النكهة اقراره في كلمته، بأنه بات من اصدقاء اميركا، مع ان الوقائع لم تعد تحتاج الى شهادته هذه. ومن هذه النكهة دعوته “المهضومة” عرب آسيا للانضمام الى الاتحاد الافريقي، معتبرا عرب مصر والسودان والجزائر والمغرب وتونس وموريتانيا وغيرها أفارقة قبل ان يكونوا عربا، “مانحا الفرصة” لباقي العرب كي ينضموا الى “الفضاء الافريقي”: غسل يديه بذلك من المسؤولية عن التفكك العربي، وقفز عنه باقتراح علاج اسوأ من العلة التي يتجنب الاقرار بما مارسه سياسيا من تقلبات مزاجية عمّقت ضررها.
والعقيد ليس طارئا على هذا النمط من تبرئة النفس باستعجال رمي اللوم على الآخرين: “ابتدع” عام 2002، زمن الانتفاضة الفلسطينية الاجدى والافعل، الدعوة الى مواجهة الحرب الاسرائيلية على الفلسطينيين بفتح الحدود امام النساء العربيات ليدخلن فلسطين. يومها، لم يقل لنا العقيد “الامين على القومية العربية” – كما كان يحب ان يسمى – ماذا ستفعل جحافل النساء العربيات اذا ولجن ارض فلسطين: هل سيدخلن لتضميد جروح الفلسطينيين، ام ليوفرن الطبخ للمجاهدين، او للمشاركة في القتال؟ لو كان قتال العدو الاسرائيلي هدف الدعوة الفعلي، في حينها، لكان الاولى به ان يطلب فتح الحدود لكل العرب، حتى الفتيان والاغرار منهم ومنهن.
لكن القذافي يعرف ان الحرب اكثر جدية من ان تترك للعسكريين يقررونها وحدهم، فكيف بالعسكريين المتقاعدين منهم، وتحديدا الذين ارتقوا في الرتب في غفلة الانقلابات، وفي غفلة من الحروب؟
هرب في تلك الانتفاضة من حرج تقديم الدعم للفلسطينيين، الى الدعوة لحرب نسائية، فبرّأ نفسه من العجز العربي وجعله علة في الآخرين لا يشاركهم فيها، مستخفا، ضمنا، بدور المرأة في المعركة القومية الام، وإن يكن يستحسن (بكسر السين) دورها كحرس شخصي له.
امس، في قمة دمشق، استنسب “قائد الجماهيرية” (احد اسمائه الفضلى) ان يطالب العرب بالدعوة الى اجراء تحقيق في وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات واعدام الرئيس العراقي صدام حسين. وهو إن يكن محقا في طلبيه، فانه أغفل، وموّه بهما، مطلبا اكثر اهمية، هو الدعوة الى التحقيق العربي في مصائر سجناء الرأي العام عنده وعند مضيفه ورفاقهما الحاضرين منهم والغائبين، والذين يقتلون تحت التعذيب او يحيون بالموت المؤجل.
وأمس في القمة العشرين عاب على بعض العرب شعورهم بخطأ ايران اذ تثير مشاعر مذهبية اسلامية تحرك عصبا انشقاقيا عند بعض مواطنيهم. وتناسى الردح الذي استطابه زمنا عن المسلمين الشيعة العرب وما كاد أن يثيره كلامه المُستهجَن من فتنة، وتجاهل استخفافه بمصير الامام المغيب موسى الصدر – وما يمثل – والذي، للعجب، لم تطرح قضيته على هذه القمة، ولم تهتم الدولة المضيفة بطرحها اصلا نزولا عند اشتراطه، ولا ألح حلفاؤها اللبنانيون الذين يزعمون حمل قضيته على تناولها، ولا هددوا بمطاردته حتى ببيان. (للتذكير، نام هؤلاء عن قضية الامام الصدر طيلة زمن الوصاية وافاقوا عليها بعد سقوطه، مع ان تغييبه يفترض ان يكون فوق كل مراعاة ومصالح).
اهم ما في ظهور القذافي في نسخته الدمشقية، انه لم يعد حريصا على طلته البائدة كمعاد للامبريالية الاميركية، ولم يرتبك بـ”وجهه” الجديد، وإن ظل حريصا على “الديكور” ذاته من الخيمة الى النظارتين السوداوين الى الصوت المتهدج وادعاء الحكمة وعطش لا يرتوي من اعتلاء ظهور الجماهير، سواء في تلك الساحة ذات الزفت الاخضر (لكنه زفت على كل حال) في طرابلس الغرب، او عبر عناوين وشعارات تملأ فضاء السياسة العربية الشاغر، ولا تقنع حتى المصفقين له.