تبشيم المسمار !
راجح الخوري
قدمت دمشق ما يكفي لمضاعفة الدشم السياسية التي تتمترس المعارضة وراءها وتستمر في الاصرار على شروطها التي لا تتوقف عند تحريف المبادرة العربية، بل تهدف استطرادا الى استكمال حلقات الانقلاب المقسّط الذي يتم تنفيذه لاجهاض انتفاضة الاستقلال والعودة بلبنان الى ما كان عليه في الماضي القريب.
لا حاجة بأحد الى التدقيق مجددا في الوقائع الميدانية التي تؤكد هذا الامر. فالسلطة التشريعية في قبضة الاقفال حيث يكاد العشب يأكل جدران البرلمان على ما تقول الاغنية. والسلطة التنفيذية متهمة بكل النعوت والتقبيح واقلها القول انها “حكومة بتراء”. اما رئاسة الجمهورية ففي قبضة الفراغ الذي يراد له ان يطول الى درجة تستدعي في النهاية اعادة النظر في اتفاق الطائف الذي لم يعد يرضي البعض في لبنان وان يكن هذا البعض يحاذر المجاهرة بهذا الامر في هذه المرحلة التي لا تحتمل بالطبع احراج المسيحيين الذين يرفعون اعلام المعارضة ويقرعون طبولها!
يعرف السيد عمرو موسى انه غير قادر على التقدم خطوة واحدة لاحياء المبادرة العربية الآن بعد قمة دمشق التي غسلت يديها من دم ذلك “الصدّيق” المدعو لبنان، بعدما اكتفت بالتشديد على هذه المبادرة المستحيلة التنفيذ، وخصوصا عندما يكرر الوزير وليد المعلم انها “سلة واحدة” بمعنى ان على العربة ان تجرّ الحصان. وهذا عمليا هو المقصود من الاصرار على الاتفاق على الحكومة وقانون الانتخاب وما الى ذلك من التعيينات، قبل الذهاب لانتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية.
ولا ندري هنا اذا كان قائد الجيش يرضى عمليا بأن يكون رئيساً صورياً منزوع الصلاحية، فيأتي لينفّذ ما اتُّفق عليه لا ليشارك من موقعه الرئاسي في صنع الحلول والاتفاقات.
ويستطيع المرء ان يستلقي على ظهره من الضحك، والمرارة طبعا، وهو يستمع الى الوزير المعلم ونده الايراني منوشهر متكي وهما يواصلان التصريحات التي تدعو الى “عدم التدخل في لبنان من جانب اي دولة، وان يكون الحل بالتوافق بين اللبنانيين انفسهم”، رغم ان بصمات التدخل السوري والايراني دامغة تماما فوق ابجدية السلوك السياسي المعارض.
واذا كانت القمة قد عقدت وسط خلافات بارزة اثرت عليها في الحضور ومستوى التمثيل بسبب دعوة السعودية ومصر والاردن صراحة سوريا الى تسهيل الامور امام المبادرة العربية عبر اقناع بعض المعارضين بأن يتجاوزوا الايحاءات السورية المعرقلة للتسوية، فإن ذلك لا يعني دعوة سوريا الى التدخل في لبنان على ما قيل في القمة وبكثير من ملامح الاستغراب (!)، بل يعني عمليا الدعوة الى سحب التدخلات التي عرقلت مجموعة متلاحقة من الحلول والمبادرات والكف عن اي تدخل قد يدفع لبنان الى الوقوع في الفراغ والفوضى.
ويستطيع المرء ان يستلقي على ظهره من الضحك، والمرارة طبعا، عندما يتأمل في محاولة الرد على الرياض بالقول “ان الجهد السوري وحده لا يكفي ولا بد ان يكون الجهد مشتركا تقوم به كل الاطراف العربية التي لها صداقات وتأثير في لبنان وخصوصا المملكة العربية السعودية التي تملك تأثيرا قويا على الاكثرية”.
واذا كان المعنى الضمني لهذا الكلام يشكل إقرارا صريحا بالتدخل وبدعوة الرياض الى التدخل ايضا، فإن من الضروري اولا استذكار مسلسل التنازلات والتسهيلات التي قدمتها الاكثرية بهدف الوصول الى حل للازمة المتفاقمة، وهو امر تلقائي لم يكن للسعودية دور فيه، وثانيا استغراب الحديث الدمشقي عن عدم التدخل.
في اي حال، ذات يوم من ايام “حرب التحرير” التي اعلنها الجنرال ميشال عون ضد سوريا، واختار لها توقيتا ينمّ عن عمق في الدراسة والتخطيط، وقف وقال للناس إنه قد “هز المسمار”، بمعنى انه نجح مبدئيا في تلك الحرب. ولا داعي طبعا الى تذكر النتائج. والآن عندما ترتفع المطالبات داعية سوريا الى التدخل لتسهيل الحل، وهو ما يعني عملياً الامتناع عن التدخل، فان في وسع اي لبناني بعد كل ما جرى ان يقول: لقد تم تبشيم المسمار ولم يعد سهلا لا هزّه ولا اقتلاعه.
وعندما يذكرنا عون بأنه سبق ان قال: “انهم يضغطون على سوريا لتتدخل في شؤون لبنان”، يستطيع رجل مثل عمرو موسى ان يفهم ان ليس عليه ان يعود الى بيروت لان المبادرة العربية، الميتة طبعاً، باقية عرضة للتمزق بين اجتهادين وتفسيرين.
وعندما يذكرنا عون بأنه سبق ان قال: “انهم يضغطون على سوريا لتتدخل في شؤون لبنان”، يستطيع رجل مثل عمرو موسى ان يفهم ان ليس عليه ان يعود الى بيروت لان المبادرة العربية، الميتة طبعاً، باقية عرضة للتمزق بين اجتهادين وتفسيرين.
اما عندما ترى القاهرة والرياض “ان لبنان هو نقطة البداية لتحسين العلاقات العربية، – العربية”، فان ذلك التحسن هو اشبه ما يكون بـ”الحصرم الحلبي”. ولكننا لا ندري في النهاية ما اذا كان لبنان ضحية التدخلات العربية المعروفة جيدا او اذا كانت العلاقات العربية – العربية ضحية لبنان؟
نكتة الاسبوع اننا قرأنا تصريحا في بيروت يقول ان “القمة الدمشقية” كانت ضحية لبنان والاكثرية فيه. هكذا بالحرف، مع انه حرام القمة وحرام الاكثرية… وحرام لبنان!