سعود الفيصل يطرحُ إشكاليتـَي العمل العربيّ بين شرط الإجماع من جهة وعدم تنفيذه من جهة ثانية
لبنان ينتظر من عمرو موسى بالأولوية جواباً على طلبه اجتماعاً وزارياً
نصير الأسعد
عشية القمّة الفاشلة في دمشق، طلب الرئيس فؤاد السنيورة باسم الحكومة اللبنانية بل باسم أكثرية اللبنانيين إنعقاد إجتماع عربي “خاص” على مستوى وزراء الخارجية لبحث الأزمة في لبنان ومعالجتها، بما هي أزمة لبنانية ـ سورية ناجمة عن تدخّل النظام السوري بكلّ “الوسائل” في الشؤون اللبنانية الداخلية.
طلب السنيورة في التوقيت وفي المضمون
وأهمية “توقيت” هذا الطلب قبل إنعقاد القمّة، نابعةٌ من معرفة مسبقة بأنّ النظام السوري الذي تستضيف بلاده القمّة سيتنصّل من دوره في أزمة لبنان ومسؤوليته عنها وسيرفضُ البحث في العلاقات اللبنانية ـ السورية والأسس التي يجب أن تقوم عليها.
بيدَ انّ أهمية ما طرحه الرئيس السنيورة في المضمون السياسي، نابعةٌ من حقيقة انّ المبادرة العربية لحلّ الأزمة في لبنان لم تعد كافيةً في صيغتها الراهنة بل صارت، في ضوء المحاولات الفاشلة لتنفيذها، قاصرةً عن الإحاطة بـ”الواقع” على إعتبار انّ المدخل إلى الحلّ هو وقف تدخّل النظام السوري في لبنان.
وقائع من المواقف السورية
على كلّ حال، وفي ما يؤكّد أهمية الطلب اللبناني، أتت بعض الوقائع من القمّة تدعمه. فرئيسُ النظام السوري بشّار الأسد قال إنّه لا يتدخّل في لبنان بل ادعى انّ ثمّة طلبات كثيرة دولية وعربية منه للتدخل وهو يرفض (!). حوّل مطالبته بالتوقف عن عرقلة الحل مباشرةً أو عبر حلفائه إلى مطالبة له بـ”التدخل”(!). وإنتقل من ذلك إلى إعلان انّ “الحلّ هو بين اللبنانيين” وانّه يدعم “ما يتفق عليه اللبنانيون” (مسمار جحا).
أمّا وزير خارجيّته وليد المعلّم الذي كرّر ما قاله الأسد، فأعلن انّ التفسير الذي أعطي للمبادرة العربية خاطئ، فالمبادرة “سلّة متكاملة” كما قال ويتمّ الاتفاق عليها دفعة واحدةً، وهي تعني ما طالبت به “المعارضة” منذ اللحظة الأولى. وهكذا، فإن المعلّم لا يتدخّل (!).
..في حضور موسى
قيل هذا الكلام السوري في حضور الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى وهو الذي يعرف مضمون المبادرة أي تفسيرها وعرضه في بيروت أكثر من مرّة، ويعرفُ كيف تم تعطيل تنفيذ المبادرة. وليس معلوماً ما إذا كانت “اللياقات” أو “أصولٌ ما” (!) جعلت الأمين العام يمتنع عن الردّ، وهو الذي كان في كلمته أمام القمّة أعلن انّ ما تمّ التوصّل إليه لبنانياً من تفاهمات “مبدئيّة” بات يسمحُ بالإنتقال إلى إنتخاب الرئيس التوافقي بدون إبطاء. لكنّ هذا ما حصل.
لذلك، ليس من جدوى في العودة إلى الدوران في الحلقة المفرغة طالما انّ المواقف على حالها. وعلى أيّ حال، فقد سارع الجنرال ميشال عون ـ المفاوض باسم “المعارضة” ـ إلى إلتقاط “كلمة السرّ” السورية، فأعلن لا جدوى مفاوضات جديدة إن لم يتمّ تبنّي المطالب المعروفة لـ”المعارضة”.
لبنان يريد جواباً
من هنا، وإذا كان في نيّة عمرو موسى العودة إلى بيروت، فإن المنتظر منه جوابٌ على طلب الحكومة اللبنانية عقد إجتماع وزاريّ عربيّ، مطروحٌ عليه ـ الإجتماع ـ مقاربة حلّ جذريّ للأزمة في لبنان بعنوانها الرئيسي: المشكلة اللبنانية ـ السورية.
والإصرار على معرفة الجواب حق لبناني. ومسؤولية الأمين العام أن يجري مشاوراته كي يأتي بالجواب. وهي مسؤولية موقعه المستقلّ عن “رئاسة القمّة”.
والإصرار على معرفة الجواب لا يعني انّ الجواب سيكون إيجابياً، لإنّ الأرجح ـ إن لم يكن المؤكّد ـ انّ سوريا ودولاً أخرى “تساير” نظام الأسد لن توافق على هكذا إجتماع عربي بالرغم من انّ عنوانه يهدفُ في المطاف الأخير إلى “تصحيح” العلاقات بين دولتين عربيتين متساويتين.
الفيصل وإشكاليّتا الإجماع
طبعاً، إن معرفة الجواب أيّاً كان ضرورية. وثمّة إشكالية مهمّة طرحها وزير خارجية المملكة العربية السعودية الأمير سعود الفيصل السبت الماضي تتعلّق بـ”العمل العربي المشترك”.
الجوابُ على الطلب اللبناني إذا جاء سلبيّاً يطرح إشكالية “الإجماع” الذي يُشترط توافره لإنعقاد إجتماع عربي ولصدور القرارات عنه. بيدَ انّ الفيصل ذهب إلى إشكالية “أكبر” و”أهم” إذ سأل كيف يمكن الاّ ينفّذ قرار عربي اتخذ بالإجماع وكيف يمكن لدولة مشاركة في الإجماع الاّ تلتزم بتنفيذه؟ وكان الوزير السعودي يتحدث مباشرةً عن “مثال” المبادرة العربية للحلّ في لبنان التي تقرّرت بإجماع عربي.
لا شك أن الإشكاليّتين، إشكالية الإجماع وإشكالية الالتزام به، تفرضان بحثاً عربياً في آليات “العمل العربي المشترك” بهدف تجديد فاعليّته. ذلك أنه في حالة مثل الأزمة في لبنان، يعني الإجماع من جهة وعدم الالتزام به من جهة ثانية تمتّع دول بحقّ “اليتو”، ويعني أن يأكل الفاجر مال التاجر أو أن يأكل القويّ الضعيف.. ويعني إعدام صلاحية الجامعة العربية كمرجعية لـ”الشكوى” من دولة على أخرى أو كمرجعية لـ”العدل” بين دولة وأخرى. وعندئذ لا مفرّ من المطالبة بعقوبات على الدولة التي يرفض النظام الحاكم فيها تنفيذ الإجماع العربي.
حالة العراق ـ الكويت
والمؤسف في هذا المجال أن كل محاولات تحديث آليات العمل العربي في السنوات السابقة لم تأخذ في الاعتبار تجربةً مؤلمة غير بعيدة، هي تجربة العراق ـ الكويت، أي أنها لم تبنِ على هذه التجربة إستنتاجات بشأن الفاعلية المطلوبة لردع تدخّل دولة في دولة أخرى أو أطماع دولة في أخرى أو إحتلال دولة لأخرى. فلو كانت الفاعلية العربية موجودة بالفعل، هل كان العراق في التسعينات ليحتلّ الكويت ثم هل كان تحرير الكويت ليتطلّب قراراً دولياً واحتشاداً عسكرياً دولياً؟
.. وسوريا ـ لبنان
المشكلة نفسها تتكرّر مع لبنان اليوم في ظلّ الإشكاليّتين السالفتَي الذكر.
ذلك أن بقاء المبادرة العربية المقرّة بالإجماع بدون تنفيذ هو مشكلة.
وبقاء المبادرة العربية ما دون الحلّ المطلوب للأزمة في لبنان هو مشكلة.
وبقاء نظام حاكم في دولة عربية مستفرداً بلبنان مانعاً عليه حريّته واستقلاله واستقراره، هو مشكلة.
وعدم فتح الجامعة العربيّة على “مستوى عال” أمام لبنان المؤسّس فيها قبل سوريا للشكوى من اعتداءات “شقيقة” على سيادته، هو مشكلة.
البديل: إجتماع عربي ـ دولي؟
فهل المطلوب أن يفهم لبنان أن لا أفق عربياً مفتوحاً طالما أن واحداً يستطيع منع الإجماع؟ وهل المطلوب أن يشتكي لبنان الى مجلس الأمن الدولي؟ وهل المطلوب أن يطلب اجتماعاً دولياً أو دولياً ـ عربياً لحماية استقلاله؟ وكيف للبنان أصلاً أن يحلّ مشاكله بنفسه بما أن مشاكله من فعل الخارج القريب؟
لن يطلب لبنان بالتأكيد تحالفاً دولياً كالذي اشترك فيه النظام السوري لتحرير الكويت عام 1991. لكنه بالتأكيد في المقابل سيدعو أشقاءه المخلصين لاستقلاله وسيادته وأصدقاءه المهتمّين به الى حماية كيانه ونظامه. وذلك ليس فقط لأن شرعية الكيان اللبناني تساوي شرعية كل الكيانات في المنطقة، كما قالت وثيقة المؤتمر الأول لـ14 آذار، بل لأن من يطلب أو يمكن أن يطلب هو ممثلٌ لـ”شرعية” الأكثرية النيابية ـ السياسية ـ الشعبية.
إذاً، الاجتماع العربي على مستوى وزراء الخارجية أو حتى على مستوى القمة استثنائياً، هو فرصةٌ للحلّ بين لبنان وسوريا، وفرصةٌ لحلّ الأزمة في لبنان. وسينتظر اللبنانيون الجواب من عمرو موسى، بعد أن سئمت أكثريّتهم الساحقة “قصّة إبريق الزيت” و”الثلاث أوراق” (عفواً “الثلاث عشرات”)!