#adsense

الجامعة وميثاقها

حجم الخط

الجامعة وميثاقها
عبدالله اسكندر
 

 

خلال يومي انعقاد القمة العربية في دمشق، اجرت الفضائيات العربية تحقيقات عن توقعات المواطنين العرب من هذا الاجتماع العربي الرفيع. وسمع المشاهدون تعليقات، من اقصى المغرب الى الخليج، تؤكد كلها ان لا شيء يؤمّل من هذا الاجتماع. وراح المسؤولون العرب، ومعهم المحللون في وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، ينحون باللائمة في عدم تمكن القمة من معالجة الأزمات الواردة في ملفاتها، الى الخلافات السياسية بين الدول العربية. واستشهدوا بالانقسام على كيفية تنفيذ القرار العربي لحل المشكلة اللبنانية. ولفتوا الى صعوبة التوافق على خطوات المصالحة الفلسطينية ومعها النظر الى النزاع العربي – الاسرائيلي. وشددوا على الاختلاف في التعامل مع السلطة العراقية الحالية والموقف من الاحتلال الاميركي.

 

لكن لنفترض، جدلاً، ان القمة استطاعت ان تضمن الاجماع على خطوات حل الأزمة اللبنانية، وفي اليوم التالي لاختتام لقاءات الزعماء العرب، توجه النواب اللبنانيون الى مبنى مجلسهم وانتخبوا المرشح التوافقي العماد ميشال سليمان وشكلوا حكومة الوحدة الوطنية وعدّلوا قانون الانتخاب وبدأت خطوات الحوار لتسوية العلاقات اللبنانية – السورية، لنفترض ان كل ذلك حصل في اليوم التالي للقمة، نتساءل عن التغيير الذي سيطرأ على حياة المواطن في المغرب والجزائر والصومال ودولة الامارات العربية، أو أي دولة أخرى عضو في الجامعة العربية؟

 

ولنكرر الافتراض نفسه بالنسبة الى القضية الفلسطينية او المشكلة العراقية، وتضمن البيان الختامي للقمة اجماعا عربيا على كيفية التعامل مع المسألتين، يصح ايضاً التساؤل عن الفائدة المباشرة التي سيجنيها العربي من هذا الاجماع.

والجواب بديهي في كل الحالات: لن يجني مواطنو البلدان العربية شيئا من مثل هذه الاجماعات. والسبب في ذلك بسيط جدا. وهو ان المواطن العربي، رغم اهتمامه بهذه الازمات الثلاث وغيرها من الازمات السياسية في المنطقة، وتطلعه الى ايجاد الحلول الملائمة لها، يرى ان ثمة قضايا ملحة جدا يعانيها في يومه وتتعلق بالمأكل والمشرب والمسكن والعمل والتربية والتنقل الخ… كما ان هذا المواطن يعتبر ان سوء عيشه الحالي وامكان تحسينه يرتبطان، ليس فقط بكلام عن قضايا سياسية تتكرر على جدول اعمال القمم العربية منذ نشوء الجامعة قبل اكثر من نصف قرن، وانما ايضا بخطط عقلانية لتكامل اقتصادي بين البلدان العربية، على نحو يتناسب مع معطيات كل منها. اذ ان تنفيذ مثل هذه الخطط قد ينعكس مباشرة على وضعه، ويصبح أي قرار من القمة في هذا المجال محسوسا وملموسا لديه. وهذا السبيل الأسهل لاقناعه ان ما بات يشهده سنويا يتجاوز البروتوكولات وتبويس الذقون وتكرار بيان ختامي سمعه مراراً.

 

وقد يكون أن سوء التفاهم بين هذا المواطن ولقاءات الزعماء العرب يعود أساساً الى طبيعة تشكيل الجامعة وميثاقها. واذا كانت ثمة نية لمنع الاحباطات التي تتكرر سنويا مع القمم العربية، فلا بد من اعادة النظر في هذه المؤسسة الاقليمية ووظيفتها، على نحو يعيد ربط الحياة اليومية بقرارات القمم، وهي قرارات اقتصادية واجتماعية بالضرورة. من دون ان يلغي ذلك الاهتمام بالازمات السياسية. أي ان المواطن يأمل من مؤسسة الجامعة، كمنظمة اقليمية ان تعيد ربط اعضائها باجراءات تمسّ الحياة اليومية. ومثل هذا التوجه يفرض على رئاسة القمة ان يكون في مقدم اهتمامها الإعداد لمثل هذه الاجراءات استناداً الى دراسات وابحاث وتوقعات موضوعية، وليس الاهتمام فقط بصورتها والتسويق لمواقفها السياسية. وتكون وظيفة القمة أساساً البحث في هذه الاجراءات وإقرارها، بعد ان يكون المختصون في كل دولة درسوها ووضعوا ملاحظاتهم، سلباً او ايجاباً، عليها.

 

في مثل هذا الوضع الجديد، قد تكون الجامعة مضطرة الى التخلي عن كثير من الاوهام التي علقت بها منذ تشكيلها، خصوصاً تلك المترتبطة بايديولوجيا الوحدة والمصير الخ… بعدما باتت سيادة الدول مكرّسة. لكن ثمة مساحة كبيرة في ميادين الاقتصاد والاجتماع والتنقل وحماية حقوق الانسان والبيئة ما تزال شبه عذراء يمكن للعمل العربي المشترك ان يعالجها، وان يكون لهذه المعالجة مردود مباشر على حياة المواطن.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل