#adsense

نجاح مقلوب

حجم الخط

نجاح مقلوب
حسان حيدر
 

 

هل يكفي للدلالة إلى «نجاح» قمة دمشق ان الشهادات عليه جاءت من المسؤولين السوريين انفسهم، ومن جوقة «ناصر قنديل وميشال عون ووئام وهاب» اللبنانية؟ لقد بذلت سورية قبل القمة وخلالها جهوداً مضنية لاعطاء الانطباع بأنها مرتاحة للانعقاد والنتائج، وأنها حققت «انتصارا كبيرا» بكسر العزلة من حولها، وان ما يهمها في الاساس «تعزيز التضامن العربي وتفعيل العمل العربي المشترك» وسواها من الكليشيهات المعتادة. وكان شرط هذا النجاح في سعيها واعتقادها التعتيم على مسألة لبنان واظهارها مجرد ازمة داخلية ينبغي ان لا تُعطى اكثر من حجمها.

 

لكن هذا التجاهل السوري لم ينجح في اخفاء حقيقة ان لبنان والتعاطي السوري معه كانا الهمّ الاساسي للحاضرين والغائبين. فاذا كانت الازمة في لبنان داخلية، فلماذا غاب معظم العرب الكبار عن القمة؟ ألم يكن يفترض، وفق المنطق السوري، ان يزيل قرار بيروت بالمقاطعة هذا العبء عن كاهل القمة ويسمح بانعقادها في اجواء طبيعية؟ ألا تشكل محاولة دمشق حصر ازمة لبنان داخل حدوده إقراراً غير مقصود بأن المشكلة هي في سورية نفسها وفي سياستها الاقليمية في ضوء استياء أكبر وأهم دولتين عربيتين وسائر المعتدلين؟

 

لقد حاولت مصر والسعودية جاهدتين اقناع سورية بأن خروجها من لبنان بضغط شعبي واسع بعد جريمة اغتيال رفيق الحريري يجعل منها، بحكم الجوار والعلاقات، احدى اللاعبين في لبنان وليس اللاعب الوحيد، وان لا أحد ينكر عليها مصالحها الامنية والاستراتيجية فيه، من دون ان يشكل ذلك ذريعة لتهديد أمنه واستقراره، وان الحفاظ على هذه المصالح ممكن من خلال علاقات عادية شبيهة بالعلاقات بين اي دولتين عربيتين. لكنها أصرت على مواصلة التعامل معه بصفته «فناءً خلفياً» تتحكم بالشاردة والواردة فيه، معتبرة ان مستقبل نظامها، وربما مصيره، يتوقف على نجاحها في احتواء «الضربة» التي شكلها خروجها من هذا البلد وتبلور تيار شعبي اكثريّ فيه يطالب بالندية في العلاقات وبوقف اقحام سورية نفسها في شؤونه الداخلية.

 

وبهذا المقياس يمكن القول ان دمشق «نجحت» بتعنتها في منع اقامة التوازن العربي المنشود في لبنان: توازن بين الجهود لبنائه وانقاذ اقتصاده وبين السعي الى ابقائه رهينة قيد الطلب للضغط على هذه الدولة او تلك، وتحسين اوراق التفاوض والمبادلات، رافضة النصائح العربية والدولية التي دعتها الى التخلي عن «محاربة» اسرائيل بالواسطة انطلاقا من لبنان، مثلما هو حاصل منذ ثلاثة عقود واكثر، وهي سياسة تبنتها بعدما اكتشفت في 1973 انها غير قادرة على كسب حرب تقليدية مع تل ابيب.

 

وقصة الانفراد السوري بلبنان قديمة قدم التدخل الاول في 1975، منذ اطلاق الرصاصة الاولى في حربه الاهلية وقرار تشكيل «قوات الردع العربية» التي سرعان ما تحولت بفضل التهديدات والتفجيرات الى قوة سورية صرفة تأتمر بأوامر دمشق وحدها. يومها فضّل العرب عدم الدخول في مواجهة مع سورية التي كانت تتذرع بمتطلبات أمنها و «التوازن الاستراتيجي» مع اسرائيل لفرض هيمنتها على لبنان وحشد السلاح والمقاتلين على ارضه، رغم استمرار محاولاتهم للتخفيف من غلوائها. أما الآن فقد خرقت دمشق مفهوم التضامن العربي نفسه، مسخّرة قدراتها وامتداداتها العربية لخدمة توسع النفوذ الايراني كما هو حاصل مع «حزب الله» وحركة «حماس» وفي العراق، وهي بذلك لا تهدد فقط النظام العربي وآليات عمله، بل تتخلى طوعاً عن حصانة عربية ربما تحتاجها مع اقتراب موعد المحكمة الدولية.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل