كزّت نفسي !
راجح الخوري
مقاولو الفراغ والتفريغ، الذين يدفعون بلبنان الى الفوضى والانهيار، ضحكوا في عبّهم أمس عندما قرأوا كلام العماد ميشال سليمان في جريدة “السفير” وهو يجزم بأنه سيغادر قيادة الجيش في 21 آب المقبل. وانه سئم التجاذبات والتراشق بالشروط والتعجيز بين السياسيين حول اسمه كمرشح توافقي لرئاسة الجمهورية !
هذا الكلام لم يفاجئ أحداً من الذين يعرفون من قرب قائد الجيش الذي احتفظ بالهدوء والدماثة شهراً بعد شهر واسبوعاً بعد اسبوع بينما كانت تثار جبال من العراقيل والشروط المتسلسلة التي حالت دون النزول الى البرلمان المقفل وانتخابه رئيساً بما يفتح الأبواب أمام حل الأزمة السياسية التي تمسك بخناق لبنان.
الذين فوجئوا فعلاً هم متعهدو تقويض أركان الدولة الذين كانوا يحسبون ضمناً ان سليمان لن يغادر قيادة الجيش ويحال على التقاعد قبل 21 تشرين الثاني. والذين كانوا يخططون ضمناً للمحافظة على وتيرة التعطيل والمراوحة في الأزمة حتى ذلك التاريخ، فاذا بهم يكسبون الوقت و”اللوتو” لأن قائد الجيش سيذهب قبل ثلاثة أشهر محتسباً المأذونيات المتأخرة التي تحق له وهي ثلاثة أشهر.
اذاً في وسع الذين صلبوا البلاد فوق الفراغ وجلدوا الوطن بسياط الازمة القاتلة مدة تقرب من سنتين ان يواصلوا الآن بسهولة (!) تقديم هذا الأداء المدروس ستة أشهر أخرى. فما بين 22 نيسان الموعد الفاشل سلفاً لانتخاب رئيس للجمهورية و21 آب مجرد طرفة عين كما يقال، فكيف اذا كانت الاجواء ملائمة جداً بعد قمة دمشق وما سبقها وما سيتبعها من خلافات تحتاج الى دهر من المساعي والوساطات ؟!
ولكن ماذا يعني ذهاب سليمان الى التقاعد؟
انه يعني مشكلة مزدوجة.
انه يعني مشكلة مزدوجة.
أولاً لأنه المرشح التوافقي لرئاسة الجمهورية. وفي غيابه او استنكافه، ويحق له ان يستنكف إعتراضاً على غثاثة السياسيين والمسؤولية السياسية، سنعود الى نقطة الصفر في الخلاف على رئاسة الجمهورية، حيث شكّل الاجماع عليه، كما هو معروف، أساساً لقيام المبادرة العربية التي تم إفشالها بالشروط العرقوبية للمعارضة، والتي سيتم دفنها نهائياً بعد ذهابه في انتظار اكتشاف مرشح اجماعي جديد، وهو أمر مستحيل على ما يبدو.
ثانياً لن يكون سهلاً الاتفاق على تعيين قائد جديد للجيش، لأن التعيين يتم دستورياً عبر إقتراح يقدمه وزير الدفاع الياس المر ويقره مجلس الوزراء بمرسوم. واذا كان هناك طبعاً ضباط من المجازين في الاركان مؤهلين للقيادة، فان الخلاف على شرعية الحكومة ودستوريتها وما الى ذلك سيؤدي حتماً الى عرقلة تعيين قائد جديد للجيش. هذا يعني ان الفراغ الناهش في جسد مؤسسات الدولة سيصل الى المؤسسة العسكرية التي تشكل العمود الفقري للأمن في البلاد.
ليس هذا هو المحظور الوحيد، بل هناك مخاوف مشروعة من ان تؤدي الخلافات السياسية والدستورية – الحكومية على تعيين خلف لسليمان الى إنشقاقات في صفوف الضباط بما قد يضع المؤسسة العسكرية على طريق السياسيين في الانقسام والصراعات، وعندها يكتمل النقل بالزعرور كما يقال.
لماذا؟
لأن الاهتراء والفوضى سيعمّان في كل مؤسسات الدولة:
الفراغ في رئاسة الجمهورية، والتعطيل في مجلس النواب، والقتال على شرعية الحكومة، والفراغ في قيادة الجيش، فماذا يبقى؟
لأن الاهتراء والفوضى سيعمّان في كل مؤسسات الدولة:
الفراغ في رئاسة الجمهورية، والتعطيل في مجلس النواب، والقتال على شرعية الحكومة، والفراغ في قيادة الجيش، فماذا يبقى؟
قياساً بـ”السوس” المدرّب جداً الذي أُرسل لينخر في مؤسسات الطوائف والمرجعيات الدينية، وقياساً بالاتحادات والنقابات العمالية المهترئة الى درجة تجعل الصورة مدعاة الى البكاء حيث يبدو العمال وصغار الموظفين مثل مجموعة من المتسولين يتناحرون على عقب سيكارة… وقياساً بالسوس المذهبي والسياسي الذي ينخر في الجامعات وعقول الطلاب، ليس كثيراً الافتراض ان البلد يكاد ينهار مثل فتات أو هباء.
وفي عودة الى كلام قائد الجيش، ليس كثيراً اذا قلنا إن لسليمان صبره الجميل، كما يقال، بعدما تحمل كل هذا الشد والمد على أيدي الرعونة السياسية وقد جاء حين من الدهر البائس، على ما يتذكر الجميع، تعرض فيه الى التشكيك والانكار من بعض فصائل المعارضة، اولئك الذين كانوا قد طرحوه مرشحاً أوحد لرئاسة الجمهورية، فعندما وافقت الاكثرية خطياً ورسمياً وراحت تقاتل من اجل انتخابه بدأ اطلاق الأسهم المعارضة عليه، ثم انهالت جبال الشروط التي يفترض اجتيازها قبل الذهاب لانتخابه رئيساً، وهو ما يعني صراحة ان المعارضة في هذا التعقيد انما تسير على خطين:
? أولاً: “خط” يدفع في إتجاه الفراغ ربما توصلاً الى فرض إعادة النظر في الدستور واتفاق الطائف.
? ثانياً: “خط” يدفع في إتجاه قطع الطريق على انتخاب سليمان ربما توصلاً الى إثبات نظرية الفيلم المكسيكي: “أنا أو لا أحد”!
أول من امس طرحت هذه الزاوية سؤالاً غير مباشر على سليمان يقول: “لا ندري اذا كان قائد الجيش يرضى عملياً بأن يكون رئيساً صورياً منزوع الصلاحية فيأتي لينفّذ ما اُتفق عليه لا ليشارك من موقع رئيس الجمهورية المسيحي الماروني في صنع الحلول والاتفاقات؟
كان هذا السؤال منطلقاً من الاصرار المعروف الذي أبداه الجنرال ميشال عون، المفاوض باسم المعارضة، في الجلسة الرباعية الاخيرة على الاتفاق على كل شيء تقريباً قبل الانتخاب.
أمس جاء الجواب من قائد الجيش صريحاً وبما معناه ومع الاعتذار عن الامثال:
“لقد كزّت نفسي. أنا ذاهب الى بيتي واستروا ما شفتوا منا”!
ونحن نضيف عنه من عندنا:
“لقد تخّنوها كثيراً. حلّوا عن ربي ورب البلد. وفي العصفورية فخار يكسّر بعضو”!