#adsense

الكعكة

حجم الخط

الكعكة

علي حماده


لا يوحي الحديث عن مبادرات جديدة، وخصوصا للرئيس نبيه بري، ان الحل قريب، بل بالعكس فإن كثرة الحديث عن مبادرات جديدة يكشف عن رغبة لدى اطراف عدة بحرق الوقت في انتظار تطور اقليمي ما. فمع ابتعاد القمة العربية في دمشق، واقتراب استحقاقات جديدة اكثر خطورة مثل المحكمة الدولية، يبدو ان المعطى الاقليمي والدولي يدفع في اتجاه ترك لبنان في حالة التعليق بين الازمة واللاازمة، او بين الحل واللاحل، فلا يقبل حل، ولا يقترب صدام ويستمر اللبنانيون في مراقبة الزمن والاحداث التي تتجاوز قدراتهم الذاتية على خلق هوامش داخلية يُعتد بها.


المبادرات، اي مبادرة، هي في الوقت الراهن ذر للرماد في العيون، وخصوصا عندما يفتقر مطلقها الى صدقية كافية تمكنه من لعب دور عملي وفعلي بعيدا من التحزب الى هذا او ذاك من الافرقاء. فإذا كان البعض يرى فائدة منطقية بترك الابواب مفتوحة مع الرئيس بري، في ظل انغلاقها تماما مع الطرف الاكثر خطرا ليس على المعادلة السياسية فحسب بل على الكيان برمته، فإن هذا لا يعفي رئيس المؤسسة الام في النظام البرلماني من مسؤولية تاريخية تقع عليه بعدما اقدم في سابقة لبنانية لا بل عالمية على غلق ابواب المجلس في وجه ممثلي الشعب حارما اياهم ممارسة مسوؤلياتهم والقيام بواجباتهم حيال الوطن والمواطن. من هنا تذكيرنا لأصحاب “المآثر” الدستورية ولسواهم بان لبنان حساس وبيئاته تتحسس بسهولة متناهية من بعضها البعض، فلا تدار شؤونه العامة والكيانية بالطريقة التي اديرت بها في السابق، على سبيل المثال، اخلاءات وادي ابو جميل او مستشفى بيروت الحكومي!


في لبنان المقيم على مفترق طرق بين مشاريع الحروب ومشاريع التسويات، يبقى خيار تقطيع الوقت ما دامت القوى الداخلية لم تتمكن من بلورة ارادة مستقلة تماما عن المعطى الاقليمي. وهي قادرة، اذا ما تمكنت ولا سيما القوى الاكثر ارتباطا بالمشاريع الاقليمية من التحرر، على اجتراح صيغة حياد للبنان الذي لن يفيد لا من هجمة “الديموقراطية الاميركية المجوقلة” في المنطقة، ولا من “الممانعة الظلامية السورية – الايرانية”. فاللبنانيون، رغم كل شيء وبالتحديد متى شعر الاطراف الوازنون فعلا لا تلفزيونيا ان “حزب ولاية الفقيه” الذي يمثل حتى اللحظة الخطر الاكبر على الكيان، اتخذ قرارا تاريخياً باللبننة والذهاب نحو تحييد لبنان عن ازمات المنطقة – هؤلاء الاطراف الوازنون قادرون على اتخاذ القرار والانعطاف نحو تسوية حقيقية على قاعدة ان لبنان يمكن انقاذه وفق نموذج النمسا، اي أن تلتقي الرغبة المحلية مع التوافق الخارجي من اجل تعطيل لبنان ساحة الصراع وتفعيله ساحة تلاق.


ان استمرار ارتهان بعض القوى لمشروع نسف الكيان، لن يقلب نظام الحكم او يغيّر في السلطة ولكنه بالتأكيد سيدمر الكيان الذي وحده في هذا الشرق المظلم يمنح المعارضات ضمانات، ويفسح المجال امام حرية الاختلاف، ويحمي التنوع والتعددية بكل اشكالهما.


فليقلع بعضنا المليشياوي المنطلق والنزعة وربما المآل، عن التوهم أن في امكانه ان يأكل الكعكة ويحصل عليها في الوقت عينه!

المصدر:
النهار

خبر عاجل