Site icon Lebanese Forces Official Website

التضامن العربي

التضامن العربي
الأب ميشال سبع


انعقدت القمة العربية في دمشق تحت شعار التضامن العربي وكان أكثر ما أفرح وأبهج المؤتمرين أنهم خرجوا بأقل خسائر ممكنة من الخلافات فيما بينهم لدرجة يزداد السؤال التقليدي المطروح: هل فعلاً يشكل العرب أمة وقومية.


الحديث في أن العرب يشكلون قومية ليس حديث العهد فعلاً ولم يكن صاحبه الأول هو الرئيس الراحل جمال عبدالناصر كما يتصوّر البعض ولا حتى ميشال عفلق أو زكي الأرسوزي بل قبلهم، إذ يورد عبدالعزيز الدوري في مؤلفه عن التكوين التاريخي للأمة العربية أن الكواكبي هو من أوائل من نادى ان العرب أمة وتشمل أهل الجزيرة والعراق والشام و(لبنان وفلسطين والأردن) ومصر وشمال افريقيا وهو يرى في اللغة العربية الرابطة الأولى بين العرب وبذلك يعيد المفهوم التراثي للأمة العربية وان عبدالغني العريسي يقول: “كفى الأمة العربية فخراً انه انبت الله منها رجلاً عمت شريعته وهي جديرة بالفخر إذ ان العرب أكرم الأمم عنصراً وخير الشعوب جوهراً… وان الأمة العربية حافظت على ميزاتها وخصائصها رغم ظروف الغزو والقهر فقد اندثرت أمم كثيرة وفقدت مميزاتها القومية إلا الأمة العربية، ويرى ان العرب هم كل الذين تربطهم وحدة اللغة.


اما عمر فاخوري فاعتبر ان الفكرة هي القوة المحركة في التاريخ وان نهضة العرب في الاسلام كانت بسبب العقيدة في الأساس وان نهضتهم بعد قرون من الركود تتطلب حركة ايديولوجية ملائمة لأن نهضة الشعوب لا تكون إلا بتوفر ايديولوجية تؤمن بها دورها إلى ايديولوجية سياسية القومية العربية.


اما ساطع الحصري الملقب بأبو خلدون فهو يرى ان اللغة هي روح الأمة وحياتها، انها بمثابة محور القومية وعمودها الفقري وهي من أهم مقوماتها ومشخصاتها ويعتقد ان الدين رغم انه يولد نوعاً من الوحدة في شعور الأفراد الذين ينتمون إليه ويثير في نفوسهم بعض العواطف والنزعات الخاصة التي تؤثر في أعمالهم تأثيراً شديداً إلا ان الاسلام كالمسيحية دين عالمي لا يمكن ان يكون هو الموحد للقوميات.


ولعل تعريف القومية لمنيف الرزاز ذات أهمية حيث يقول: “القومية وجود قائم لشعب، لكن التحدي الذي يواجهه هذا الشعب في إلغائه أو استبعاده يجعله يستفز طاقاته ليعي إمكاناته فتتحرك فيه المشاعر القومية ويصبح عمله نضالاً من أجل تأكيد الذات، ان القومية شعور قائم لا نشعر به ونتحسسه إلا أمام الأخطار والتحديات.


ويؤكد البطريرك الارثوذكسي اغناطيوس هزيم ان القومية العربية لا يجب ربطها بالإسلام إذ يقول: “الارثوذكس العرب كانوا موجودين على الأرض العربية منذ زمان طويل قبل ظهور الإسلام وقبل ظهور بقية الطوائف والمذاهب وكنا ولا زلنا نتكلم اللغة العربية قبل الجميع ولنا فكرنا وكتبنا وتاريخنا وادبنا قبل الجميع فكيف يمكننا ان لا نكون عرباً أبناء عرب ضمن العرب ولكننا لا نريد ان نصنع مع ديننا قومية ولا من قوميتنا ديناً”. وهو في هذا يرد أيضاً على الدعوة التي قام بها نجيب العازوري قبل مئة عام والتي دعا فيها إلى قيام كنيسة قومية عربية.


وإذا كانت القومية العربية هي جامع الدول العربية والمجتمعات العربية برابط اللغة أو برابط الهموم المشتركة أو برابط الدين إلا ان التضامن بين الدول يظهر بالشكل الحديث على أساس التصدي للمشكلات المطروحة أمامها والتي يمكن ان تشكل أساساً لشعورهم بوحدة مصيرهم المشترك وإذا كانت القضية الفلسطينية كانت ـ وما زالت ـ هي القضية المحورية للبلاد العربية والتي كلفتهم الكثير من المال وحكمت مسار سياساتهم الخارجية فإن قضايا محورية اخرى طرحت نفسها على أرض الواقع المعاصر ومنها على سبيل المثال لا الحصر قضية الجنوب السوداني وقضية الصحراء الغربية وقضية العراق وقضية الجزر الثلاث وأخيراً القضية اللبنانية.


ورغم ان هذه القضايا شائكة ومتشابكة لكنها ليست الأكثر قوة لمجموع العرب حيث يرى بعض العرب ان كل قضية من هذه القضايا المطروحة انما هي مشكلة شعبها أكثر من ان تكون مشكلتهم هم لا بل فإن توصيات المؤتمرات العربية هي الا يتدخل بعضهم في قضايا بعضهم الآخر واعتبار ان التدخل في الشؤون الداخلية هو مخالف لتحالفات الاخوة ولمبدأ التضامن العربي. ان القضية الأكثر إلحاحاً اليوم هي قضية الإرهاب الدولي والتي يسلط فيها الغرب على الشرق الإسلامي عموماً والعربي خصوصاً الأضواء على أساس انها الرافد الأساس لهذا الإرهاب مما أدخل العالم مفهوم صراع الثقافات والحضارات.
التضامن العربي من أجل ان يكون واقعياً وفعّالاً يحتاج إلى مجموعة أمور، أولها، ان تحترم كل دولة عربية خصوصية الدولة العربية الاخرى لكن ان تحترم هذه الدولة بدورها شعبها ومواطنيها لأنه إذا كان المواطن في كل دولة عربية يشعر انه عربي أي له امتداد وحقوق على مستوى القومية العربية فكيف يقبل ويشعر بهذا الاحساس إيجابياً إذا كان مضطهداً في وطنه لمجرد انه كتب مقال أو وقّع عريضة أو طالب بحق أو قام بمظاهرة أو اشترك في مؤتمر.


وثانيها، ان يكون هناك تعاطف واشتراك حقيقي بخيرات الأرض العربية إذ لا يعقل ان يكون هناك مواطن عربي بالكاد يأكل أو يطعم عياله أو يضطر ان ينام في المقابر أو يبيع نفسه مرتزقاً لميليشيات إرهابية في الوقت الذي يرى فيه ان أمته العربية تصنف في مواردها الطبيعية كأهم البلدان في عالم التخمة الاقتصادية.


وثالثها، ان تكون حرية الدين والفكر مصانة في كل دولة عربية إذ لا يُعقل ان يُسجن استاذ جامعي أو يفرق آخر عن زوجته بحجة الفتاوى أو ان يحرم مواطن عربي من ترميم مكان عبادته لأي سبب أو ان يحرم حتى من إقامة مكان لعبادته وهو مواطن في بلده.


أو ان يصادر كتاب أو مطبوعة مصنف ضد أمن الدولة وهو لا يدعو سوى إلى حرية الفكر والاجتماع والسياسة.
ورابعها، ان يكون التنقل بين هذه الدول العربية حراً فعلاً ولا يحتاج إلى تأشيرة دخول، أليس من العار ان يدخل حامل جواز سفر أجنبي بلداناً عربية بدون تأشيرة مسبقة في حين ان العربي من أجل ان يدخل بلدا عربياً آخر يحتاج إلى تأشيرة مسبقة.


ان التضامن العربي يحتاج إلى مرجعية قانونية وذات إمكانية لفرض المواطنية العربية بكل ما تحمله من معانٍ حضارية وإنسانية حتى على الحكومات التي تشذ عن هذه القاعدة وإذا كانت هناك استحالة الاتفاق على نظم سياسية فعلى الأقل ان تكون هناك اتفاقيات كاتفاقيات حقوق الانسان والطفل والمرأة تندرج ضمن إطار اتفاقية حماية المثقفين والحريات الشخصية والمعتقد والتعبير عنه والعلاقات الشخصية والتعبير بمختلف أشكاله.


التضامن العربي هو في النهاية ان يشعر المواطن العربي ان هناك من يرعاه ويهتم بمصيره على امتداد الوطن العربي، اما إذا كانت بعض الدول العربية والحكومات أو الحكام العرب يعتقدون ان التضامن العربي هو دفاع عن الآخرين من العرب على حكمهم ولو كان ظالماً لشعبه وعن حكوماتهم ولو كانت ضنينة بحرية شعوبها فهذا ليس تضامناً خيّراً بل تآلباً وهو ما ليس مطلوباً ولا مرغوباً بل مرفوضاً ومنبوذاً.
Exit mobile version