قراءة شاملة لمواقف قائد الجيش بعد القمة العربية
سليمان أراد الضغط في كل الاتجاهات خوفاً من تمديد أزمة لبنان وتكريس الفراغ
محمد شقير
محمد شقير
اختلفت أوساط سياسية مراقبة على تواصل مع الأكثرية والمعارضة في تقديم الأسباب التي أملت على قائد الجيش اللبناني العماد ميشال سليمان المواقف التي اتخذها في حديثه الى جريدة «السفير»، خصوصاً لجهة قوله انه ينوي التقاعد في 21 آب (أغسطس) المقبل ولن ينتظر حتى اليوم الأخير من خدمته العسكرية في 21 تشرين الثاني (نوفمبر)، وإشارته الى انه «إذا رشحني طرف واعترض طرف آخر وإذا دعمت ترشيحي دول اعترضت دول أخرى بالصمت أو بالتشكيك».
لكن اختلاف الأوساط المراقبة على تحديد الأسباب، لا يمنعها من رسم الإطار العام الذي من دونه لا يمكن إجراء قراءة سياسية لاستكشاف المعطيات التي كانت وراء المواقف المنقولة عنه، أو من التوافق على المعطيات من محلية ودولية وعربية دفعت بالعماد سليمان الى توجيه رسائل سياسية بكل الاتجاهات ليس لوضع النقاط على الحروف فحسب وانما للضغط لوقف الاستنزاف الذي يتعرض له الجيش يومياً من ناحية، ولإشعار من يعنيهم الأمر بأنه لن يكون أسير الابتزاز أو التجاذب، كما لن يقبل بإخضاعه الى اختبار يومي للتأكد من مواقفه.ولفتت الأوساط نفسها الى ان سليمان أراد توجيه رسالة واضحة الى الداخل ومن خلاله الى الأطراف العربية والدولية الفاعلة في انتخابات رئاسة الجمهورية، أو الضاغطة باتجاه تجميد الوضع بمعنى تمديد الأزمة حتى إشعار آخر.
وبكلام آخر، اعتبرت الأوساط عينها أن سليمان أراد التأكيد أن الوضع الراهن لا يُحتمل، وان ضبط الأمن لن يكون في نشر الجيش وقوى الأمن وانما في توفير الغطاء السياسي وتحصين الوضع وتدعيمه بما يخدم التشدد في التصدي لمن يريد الإخلال بالأمن. وتابعت: «الأطراف اللبنانيون بكل تياراتهم وأحزابهم وشخصياتهم يريدون حفظ الأمن من دون أن يقدموا أي دعم سياسي وبالتالي يتوجهون من القوى الأمنية بالقول: ما عليكم إلا الحفاظ على التهدئة ونحن من جانبنا سنمنع التوافق السياسي من ناحية وسنستمر في ضرب الفرص المؤاتية لانقاذ البلد».
ورأت أن العماد سليمان «أراد توجيه رسالة الى الجميع لتكون بمثابة إنذار لما سيكون عليه الوضع إذا ما استمرت الأبواب السياسية موصدة في وجه الحلول»، وقالت انه «اختار الوقت المناسب» لإيصال موقفه بناء لاعتبارات أبرزها:
– معظم الأطراف كانت تتعامل مع انعقاد القمة العربية في دمشق وكأنها بمثابة محطة أساسية للتوافق على توقيت جديد يسمح بانتخاب رئيس الجمهورية، لكن كل هذه التقديرات لم تكن في محلها.
– لدى سليمان شعور مؤاده أن الأزمة في لبنان سائرة على طريق التمديد وان المطلوب في الوقت الحاضر استنباط الأفكار التي من شأنها أن تخدم لعبة تقطيع الوقت بهدوء ومن دون حصول تبدل لا في قواعد اللعبة أو في الوضع على الأرض.
– سورية وايران ليستا في وارد تقديم التسهيلات لتأمين انتخاب رئيس الجمهورية على قاعدة الالتزام بتطبيق المبادرة العربية، انطلاقاً من شعورهما هما بأن لا مصلحة لهما في تسريع الحل وأن من الأفضل الانتظار الى حين وصول إدارة أميركية جديدة الى البيت الأبيض ليكون في وسعهما اتخاذ القرار المناسب في ضوء المعطيات التي ستتوافر لهما في حينه.
– ميل التحالف السوري – الإيراني الى تجميد الوضع يقترن برغبة البلدين في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار لأن تعريضه لأي اهتزاز سيترتب وتحديداً من قبل المجتمع الدولي اتخاذ المزيد من الإجراءات والتدابير ضد طهران ودمشق.
– طهران أصبحت الآن الشريك الأساسي في الملف اللبناني وبالتالي لن تفرط بهذه الورقة أو تبادر الى رعاية أي موقف تصعيدي اعتقاداً منها أنها ستحتفظ بها حتى إشعار آخر كعامل ضغط في حال لجأت الإدارة الأميركية الى شن حرب ضدها. وهي تلتقي في هذا السياق مع دمشق بعدم توفير الذرائع لاستحضار مزيد من الضغط على حلفائها في لبنان.
وفي رأي الأوساط نفسها، فإن مواقف سليمان تظهره وكأنه أراد في الوقت المناسب «تمرير رسالة أكثر من مزدوجة كانت ضرورية بعد انعقاد القمة العربية ليس فقط لتأكيد دعمه للمبادرة العربية وإنما أيضاً للرد على من يراهن على استعداده للبقاء مهما كانت الظروف».
وقالت الأوساط ان سليمان «رغب في توجيه رسالة بلغت في حدودها الإنذار بغية الضغط لمصلحة إعادة الاعتبار للمبادرة العربية… وكأنه أطلق إشارة يعلن فيها استعداده للخروج من الحياة السياسية، بينما أراد تأكيد حضوره وبالتالي يمكن فهمها بأنها موجهة الى المعارضة كما الموالاة وانما في معايير مختلفة، لا سيما أن البعض لا يزال يؤكد حاجته الى بقاء سليمان على رأس المؤسسة العسكرية انما لتمرير الوقت الضائع وهذا ما يفسر عدم استعداده لمساعدته أو التعاون معه».
واعتبرت الأوساط ان قائد الجيش أراد من مواقفه أيضاً أن يعيد «كرة النار» الى مرمى الآخرين لأنه يرفض ان يكون الشاهد على اهتراء البلد يوماً بعد يوم وان كان بعض مؤيديه يعتقد بأنه سارع الى حرق المراحل عندما قال انه لن يبقى على رأس المؤسسة العسكرية بعد 21 آب المقبل.
وعزت أوساط السبب الى ان معارضي وصوله الى سدة الرئاسة الأولى سيحاولون استغلال ما أعلنه للقيام بمزيد من الضغط بغية حشره في الزاوية لدفعه الى ترجمة أقواله الى أفعال من ناحية، أو لنصب المزيد من الكمائن السياسية له، لإحراجه من ناحية ثانية.
وأشارت الى الموقف الذي عبر عنه رئيس «تكتل التغيير والإصلاح» العماد ميشال عون في قوله ان سليمان «حتى لو تقاعد ممكن أن يبقى هو المرشح وليس ما يمنع ذلك»، والى إعلان الوزير السابق سليمان فرنجية أن انتخاب الرئيس «يبقى وارداً حتى 21 آب، لكن انصح حلفائي في المعارضة بعد هذا التاريخ بعدم الموافقة على تولي المجلس النيابي الحالي انتخابه»، سائلة: «ألا يعني كلامهما انهما يريدان الالتفاف على سليمان كمرشح توافقي؟» ذلك على رغم ان فريقاً أساسياً في المعارضة لا يزال يعتبر ان تمييز قائد الجيش عن المرشحين الآخرين يكمن في انه أصبح الآن مرشح التوافق الوحيد الذي لا يرى هذا الفريق أو ذاك أنه مرشح معركة تنتهي حتماً الى تكريس صيغة غالب ومغلوب في البلد.
وقال بعض مؤيدي سليمان انه يخشى من أن يكون فريق في المعارضة بدأ التخطيط لكسب الوقت كعامل أساسي لإفشال وصوله كمرشح توافقي الى رئاسة الجمهورية وان لا حل إلا بتأخير الانتخاب الى ما بعد إجراء الانتخابات النيابية التي ستؤمن حصول المعارضة على أكثرية المقاعد، ما يتيح لها أن تقلب الطاولة في وجه الآخرين، من خلال إعادة تعويم ترشيح العماد عون باعتباره القادر على الوصول الى سدة الرئاسة. وفي هذا السياق أشارت أوساط الى ان عون لم يتخل عن ترشحه وانه جمد الحديث عنه، ليعود لاحقاً الى طرح نفسه ومن الباب الواسع كمرشح يحظى بتأييد أكثرية النواب في المجلس النيابي الجديد.