الفرص الضائعة على لبنان في زمن الطفرة النفطية
مروان اسكندر
بداية يجب التأكيد ان دورة الحياة الاقتصادية على ما هي ترتهن بالتحويلات الجارية الى لبنان من اللبنانيين العاملين في الخارج ومن مصادر خارجية الى تكتلات لبنانية، ومن حركة سياحية ضعيفة، ومن أرباح الشركات اللبنانية العاملة على نطاق اقليمي أو دولي.
ولبنان يتمتع بخاصية مريحة ومقلقة في الوقت ذاته. فالمصادر المالية موفورة بما يزيد على ثلاثة اضعاف الدخل القومي من الودائع وعلى 11 مليار دولار من الاحتياطات الحرة بما فيها الاحتياط الذهبي.
ومع ذلك فان المشاريع والاستثمارات – خارج القطاع العقاري – محدودة، اما القطاع العقاري والسياحي، وخصوصا في وسط بيروت، فالاستثمارات فيه مجمدة.
واذا نظرنا الى الحاجات التجهيزية الرئيسية في لبنان حتى سنة 2020، نعني التجهيزات التي تؤمن حداثة التواصل وتفعيل المنافسة ومستوجبات العيش والكسب، يمكننا اعطاء صورة تقديرية على النحو الاتي:
– مشاريع الطرق والنقل والطرق السريعة، وصيانتها تستوجب على الاقل أربعة مليارات دولار.
– انشاء مرافق تكرير للنفط لكفاية حاجات الاستهلاك الداخلي وتحقيق بعض التصدير تكلف ملياري دولار.
– تطوير وتجديد معامل انتاج الكهرباء وشبكة التوزيع وتجديدها وزيادة طاقة الانتاج بنسبة 60 في المئة عما هي تتطلب 12 مليار دولار.
– تأهيل المطارات والمرافئ وتطويرها تستوجب ملياري دولار.
– تنفيذ برنامج للحفاظ على الموارد المائية وتحسين استعمالها لأغراض التنمية الزراعية والسياحية وتحسين اوضاع الامدادات المنزلية: ثلاثة مليارات دولار.
– مشاريع تنقية البيئة، وزيادة الاخضرار، ومعالجة اضرار بيئية مترسبة، وإنشاء معامل لمعالجة النفايات: مليارا دولار.
– تجهيز قوى الامن والجيش بالمعدات الحديثة والفعالة للحاجات الامنية والعسكرية – ونحن لا نتحدث عن الانفاق على الرواتب وما شاكلها: ثلاثة مليارات دولار.
لا شك في ان هناك ارقاماً غير تلك المعددة اعلاه تفيد عن حاجات خلال السنوات المتبقية من هذا العقد والعقد المقبل تساوي 28 مليار دولار وقد تتجاوز الـ 30 مليارا. وحين نجمع بين هذه الحاجات الاستثمارية والدين القائم على القطاع العام والموازي 43 مليار دولار، تظهر لنا صورة مستعصية، الا وهي تأمين ما يوازي ربما 75 مليار دولار واكثر نتيجة الفوائد على القروض لإطفاء الدين العام وتجهيز البلد على مستوى التحديات.
والمهمة ليست مستحيلة، شرط توافر مناخ امني وتشريعي وقضائي مناسب في لبنان. الواقع اليوم هو النقيض، والثمن الذي يدفعه البلد باهظ للغاية، الا وهو تفويت الفرص منذ 1975.
ان الموارد المتاحة في دول النفط للاستثمار لمواطني هذه الدول ومؤسساتها المختصة بالاستثمار تفوق الـ 3000 مليار دولار، أكثر من نصفها احتياطات لدى أبو ظبي والسعودية والكويت وقطر.
ولا شك في ان لبنان مستقر يستطيع استقطاب غالبية شركاته الناجحة على نطاق اقليمي ودولي. واذا توافر مناخ استثماري جيد ومعاملات رسمية مبسطة ونظيفة، يمكن ان تسوق في لبنان اسهم مؤسسات في المجالات التالية للنشاط في مقابل تقديرات استثمارية مشابهة لما هو محقق في منطقة الخليج.
في القطاع المصرفي، يمكن اسهم المصارف الستة الكبرى في لبنان وموجوداتها الصاخبة ان تساوي 14 مليار دولار بدل السبعة الى الثمانية مليارات حاليا، أي ان ثمة ربحاً ضمنياً غير محقق لا يقل عن ستة مليارات دولار.
اسهم شركات المقاولات الرئيسية، اذا ادرجت في سوق مالية ناشطة يمكن ان تساوي ثماني الى 10 مليارات دولار.
اسهم شركات عاملة في مجالات الاتصالات الدولية والإقليمية تساوي قيمتها اكثر من 12 مليار دولار.
اسهم شركات تجارية تعمل على نطاق اقليمي ودولي توازي، قياسا بارباحها السنوية، ما يساوي ستة الى ثمانية مليارات دولار.
اسهم شركات صناعية تعمل على نطاق اقليمي ودولي وتحقق دخلا قائما يتجاوز الخمسة مليارات دولار سنويا، يمكن ان تساوي 10 مليارات دولار.
اسهم شركات برامج المعلوماتية والخدمات الالكترونية يمكن ان تساوي ثلاثة مليارات دولار.
طبعا، لن تعرض اسهم الشركات المعنية جميعها وفي وقت واحد، وقد لا يعرض منها سوى جزء بسيط، لكن الاهم ان القيمة الاساسية لهذه الشركات تتجاوز بكثير اعباء الدين العام القائم، وهي بمثابة رأس مال ضمني لمستقبل البلد اذا وعى السياسيون واجباتهم بتأمين ارضية الحكم السليم والمحاكم السليمة والممارسات النظيفة. واليوم، لسوء الحظ، الهرطقة هي سمة الحياة السياسية في لبنان.
فعلى سبيل المثال، هناك فئات ترفض البحث في موضوع التخصيصية. وعلى فكرة، جميع النفقات المشار اليها اعلاه باستثناء نفقات تجهيز قوى الامن والجيش، يمكن ان تتوافر مع القوانين المناسبة من القطاع الخاص. لكن تخصيص خدمات الهاتف أمر ممنوع، وتخصيص الكهرباء وتحصيلها عليهما اعتراضات على رغم صدور تشريع يشجع القطاع الخاص على الاستثمار في الكهرباء، وتطوير قطاع المياه على القطاع الخاص مستهجن، وانشاء طرق في مقابل رسوم أمر مستغرب.
في حين ان لدى سوريا ، كما الاردن، قطاع اتصالات خاصاً، ولديها كما لدى ايران مصانع لإنتاج الكهرباء ذات طابع استثماري خاص، والصين تنجز طرقاً سريعة في مقابل رسوم على السيارات، والكويت تخصص شركة طيرانها وتشجع على توسع اكبر شركات الاتصالات في المنطقة، ونحن نتراجع على كل الصعد ومنذ 33 سنة. كفى تراجع.