بعد انضمام أوروبا إلى واشنطن وتل أبيب على طريق الحرب
التخلي السوري عن »الثلث المعطل« يؤكد المخاوف من ردود الفعل الخارجية
حميد غريافي
التخلي السوري عن »الثلث المعطل« يؤكد المخاوف من ردود الفعل الخارجية
حميد غريافي
انكمش النظام السوري في دمشق على نفسه اكثر فأكثر أمس تجاه الجبهات اللبنانية والسعودية والاسرائيلية في اعتراف ضمني بمخاوفه من تداعيات العزلة التي وضع فيها خلال قمة دمشق في نهاية الشهر الفائت, واستغلال اسرائيل ابتعاد الدول العربية صاحبة القرار في المنطقة وهي السعودية ومصر والدول الدائرة في فلكهما عن سورية كي تضرب ضربتها المتوقعة مع اقتراب »الصيف الحار« الذي لفحت حدته وجوه الدولة العبرية وسورية وحزب الله اللذين اشرفا على الانتهاء من نصب اكياسهما الرملية استعدادا لتلقي »الرد الاسرائيلي الشديد والمؤلم« كما وصفه نائب رئيس هيئة الاركان العبري الجنرال دان مارئيل أول من امس في خضم اجواء الحرب الساخنة اعلاميا ولوجستيا وتعبويا على كل الجبهات.
وقد عكست كل هذه الأجواء المحتقنة بداية التراجع السوري الحاد والمفاجئ تحت الضربات العربية الموجعة لنظام الاسد حين القى سليمان فرنجية احد »كاتمي اسراره« وكبير عملائه على الساحة اللبنانية »قنبلة الانسحاب« من المعركة الدائرة على السلطة في لبنان, مساء أول من امس بقبوله التخلي عن »الثلث المعطل« داخل الحكومة المقبلة وهو »عنصر الحياة« بالنسبة لقوى 8 اذار السورية – الايرانية وخصوصا بالنسبة لحزب الله وسلاحه ودويلته, وباستعداده »للذهاب غدا« الى انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للبلاد مقابل »قشة« موافقة الغالبية النيابية الحاكمة في قوى 14 اذار على قانون 1960 للانتخابات النيابية المقبلة, وهو تراجع مذهل يلامس حدود الاستسلام في هذه المعركة الطويلة التي شلعت اوصال لبنان السياسية والامنية والاقتصادية والاجتماعية منذ حرب (يوليو) من عام 2006 ومازالت مستمرة حتى الان.
وقد ترافق هذا الانكفاء المرير على الساحة اللبنانية الداخلية مع انكفاء سوري اخر في التوقيت نفسه عبر »كلام تضمن دعوة للسعودية الى جهد مشترك لتشجيع« كل طرف (لبناني) ليقوم بخطوة تجاه الاخر حتى يلتقيا في نقطة توافقية واحدة« ما يوحي بأن مبادرة فرنجية الدمشقية المفاجئة تمثل هذه الخطوة من جانب بشار الاسد بانتظار خطوة السعودية للضغط على حلفائها للقبول بقانون الستين للانتخابات النيابية, فينهي الصراع بانتخاب رئيس للجمهورية وقبول عملاء نظامه بأقل من الثلث المعطل املا في ان يسيطروا على البلاد في الانتخابات البرلمانية المقبلة عام 2009 مؤجلين بذلك احلامهم بعودة الوصاية السورية اكثر من سنة.
اما الانكفاء الاقليمي الموازي فقد اعلنه في الوقت نفسه وزير الخارجية السوري وليد المعلم امام سفراء الاتحاد الاوروبي في دمشق حين اعاد التشديد على ان بلاده اتخذت السلام »خيارا سستراتيجيا« في الوقت الذي بدأ فيه نظامه يسمح قرقعة سلاح الحرب الاسرائيلية على حدوده الجنوبية وبعدما ادرك اخيرا البعد الحقيقي لانتشار السفن الحربية الاميركية قبالة سواحله الشهر الماضي, وان هذا الانتشار ليس ل¯ »عرض العضلات« حول لبنان كما وصفه وانما ايضا »لتغطية المناطق الشمالية والساحلية السورية حيث التجمع الاهم للترسانة الصاروخية الايرانية بما تحمله البوارج الحربية الاميركية من مئات صواريخ كروز (توماهوك) عصب الحروب الهجومية الاميركية عادة« حسب خبير دفاعي بريطاني في لندن امس.
ومع كشف وسائل الاعلام الاسرائيلية النقاب خلال الساعات الاربع والعشرين الماضية عن ان »مستشارين لايهود اولمرت ومسؤولين كبارا في الادارة الاميركية على رأسهم مستشار الأمن القومي ستيف هادلي اجروا في الايام الماضية محادثات سرية في واشنطن في »قضايا تتعلق بالبرنامج النووي الايراني وفي مسائل ذات حساسية عالية تتعلق بحزب الله«, تكون حلقة الاستعدادات الاسرائيلية – الاميركية اكتملت بفرض الطوق العسكري على لبنان وسورية ممهدة بحشود برية عبرية هي الاضخم حتى الان على حدودي البلدين وباجراء تدريبات ومناورات وصفت ب¯ »الواسعة« للجبهة الداخلية لمعرفة جهوزيتها في وجه هجوم صاروخي ايراني (حزب الله) سوري, واعادة توزيع الكمامات الواقية من الاسلحة الكيماوية والبيولوجية التي يمتلك منها نظام الاسد الاطنان, وبالغاء وزير الدفاع ايهود باراك زيارة كانت مقررة لالمانيا الاسبوع المقبل.
وقال الخبير الدفاعي البريطاني ل¯ »السياسة« في لندن ان »المحاولات الاعلامية الاسرائيلية والسورية وتلك التابعة لحزب الله للتخفيف من حدة الاحتقان على الحدود مع اسرائيل في التركيز على ان »الحرب مستبعدة إما لان تل ابيب غير جاهزة ومازالت تلعق جروح حربها الاخيرة ضد حزب الله, او لان الاميركيين غير قادرين على فتح جبهة اخرى بعد العراق وافغانستان في المنطقة اذ قد تجرهم الى حرب تشنها اسرائيل ضد سورية ولبنان الى حرب موازية مع ايران« – كل هذه التطمينات لم تمنع نظام الاسد من نشر انظمة ايرانية في اراضيه للتنصت على اسرائيل, كما لم تمنعه من استدعاء قوات احتياط ونشر ألوية عسكرية جديدة على حدوده مع لبنان والدولة العبرية, ومن رفع حالة التأهب في الجيش الى اعلى ذراها, ومن اظهاره بعض الليونة المهمة في موقفه من الازمة اللبنانية التي على القوى الديمقراطية الحاكمة (14 اذار) ان تتلقفها فتعمد فورا الى انتخاب رئيس للبلاد طالما تخلت دمشق وحزب الله عن »ثلثهما المعطل«.
واكد الخبير البريطاني »ان ما نشاهده اليوم من ارتفاع لا مثيل له في وسائل الاعلام العبرية لحمى الحرب في المنطقة, لا يختلف في شيء عن الارتفاع الاعلامي الذي سبق كل الحروب الاسرائيلية على الدول العربية, وهو مؤشر سلبي حدا يمكنه ان يتلاعب بالمشاعر العامة لتقبل الحرب كما بامكانه تحديد مواعيد اقرب لها من الموعد المحدد من قبل القادة السياسيين والعسكريين الاسرائيليين«.
واعرب الخبير ل¯ »السياسة« عن قناعته بأن »ادارة جورج بوش التي كانت تضغط قبل الان على اسرائيل لاستئناف حربها ضد حزب الله للقضاء عليه واخراجه من معادلة الشرق الاوسط التي حدث فيها خلل فادح بوجوده في ظهيرة الدول العربية المعتدلة كجيش نظامي رديف للجمهورية الاسلامية في طهران, قد تكون ابلغت الاسرائيليين ان الوقت الممنوح لهم والذي طلبوه لاستيعاب حرب (يوليو) 2006 ولتصحيح ثغراتهم على اساس نتائجها قد انتهى, وانها لا تمانع في ان تشمل تلك الحرب القواعد الصاروخية والكيماوية والبيولوجية السورية, كما ان الادارة الاميركية توصلت بضغوطها خلال الاشهر الاربعة الماضية على حلفائها الاوروبيين الى اقناعهم بالانضواء تحت سياستها الهجومية سورية وحزب الله لان مصالحهم هم الاخرين مهددة في المنطقة, كما ان الصواريخ البالستانية الايرانية العابرة بدأت تنتشر على الساحل السوري, وهي بامكانها بلوغ نصف القارة الاوروبية تقريبا«.