لبنان (رهينة) رهانين متناقضين
رفيق خوري
رفيق خوري
لبنان يبدو مثل مريض أدخله الأطباء الى غرفة العمليات وخدّروه، ثم توقفوا عن اجراء العملية له. والعذر سلفاً من الأطباء عن التشبيه لأن من المستحيل ان يفعلوا ذلك، لكن (الأطباء السياسيين) فعلوه. فهم يتجادلون حول أمرين يكفي أي منهما لكي يربح المراهنون على الوقت لوفاة لبنان. أولهما معرفة كيف يتصرف المريض بعد العملية: بماذا يفكّر، وفي أي محور من محاور الصراع يقرر الوقوف. وثانيهما انتظار ما يحدث خارج المستشفى. لا هنا بل في المنطقة والعالم. فما يحدث هنا معروف: اهتراء وأزمات اقتصادية واجتماعية ضاغطة وهجرة وضجر من لعبة سياسية في الوقت الضائع تدار بالسجال والجدل والحوار وليس فيها من السياسية سوى ملء الفراغ بالفراغ.
وما يحدث في المنطقة والعالم كثير ومتناقض يتم ربط الأزمة بالمعقول واللامعقول منه، سواء في العلاقات العربية – العربية أو في العلاقات العربية – الاقليمية أو في الأوضاع العربية والاقليمية والدولية.
لكن العنوان الكبير للانتظار هو ما يجسّده التعبير الفرنسي الشهير: (حلمان في سرير واحد). فعلى جانبي الأزمة والصراع في الداخل والخارج رهانان متناقضان على سيناريوهات افتراضية لدى قوة واحدة هي أميركا: فريق يراهن على أن ينهي الرئيس جورج بوش عهده ومغامراته العسكرية في المنطقة بتوجيه ضربة عسكرية الى ايران لمنعها من ان تصبح نووية، بحيث تشتعل المنطقة بحرب بين اسرائيل وسوريا ومعها حزب الله وحماس، وتتغير في رأي هذا الفريق موازين القوى والنفوذ في لبنان والمنطقة. وفريق آخر يراهن على مرحلة ما بعد بوش، وبالتالي على صفقة مع أميركا تكرّس، لا بل تقوي، موازين القوى والنفوذ الحالية بما يغيّر وجه لبنان والمنطقة.
وليس في الرهانين سوى مزيج من الأحلام والأوهام برغم (الواقعية) في الشكل. فلا الحرب وراء الباب، ولا نتائجها مضمونة، ولا مخاطرها قليلة على الجميع. ولا الصفقة سهلة في مرحلة ما بعد بوش، بصرف النظر عمن يصل الى البيت الأبيض ويريد تغيير المقاربة في السياسة الخارجية مع ثبات المصالح الحيوية والحسابات الاستراتيجية.
ومن الصعب العثور، حتى في شريعة الغاب، على ما يبرّر إبقاء لبنان بلا رئيس الى ما بعد الانتخابات الرئاسية في أميركا. والمفارقة ان اللبنانيين بدأوا يتكيّفون مع هذه السياسة المدمرة، الى حد ان هناك من يقول بدم بارد ان لا انتخابات رئاسية حتى في العام 2009، والمفارقة الأكبر ان الأطباء السياسيين يعرفون ان هذه وصفة لقتل المريض، ثم يستمرون في الجدل والتوقف عن اجراء العملية.