#adsense

لا حرب إقليمية ولا حرب أهلية ولا تسوية سياسية

حجم الخط

توازن الردع يوفّره الخوف من الأسوأ وضغوط لمنع المواجهات
لا حرب إقليمية ولا حرب أهلية ولا تسوية سياسية

روزانا بومنصف 


مع ان طبول الحرب بدت كأنها تقرع بقوة في المنطقة في الاسابيع الأخيرة، فان مصادر ديبلوماسية رفيعة في بيروت تكشف ان الولايات المتحدة مارست ضغوطا قوية على اسرائيل في الاونة الاخيرة، بحيث منعت الجيش الاسرائيلي من الرد على عمليتي القدس وغزة، من دون ان يعني ذلك توقف اسرائيل عن ممارساتها العدوانية ضد الفلسطينيين. وهذه المعلومات، من حيث ابعادها ومضمونها، تساهم في تقليل احتمالات الحرب في المنطقة، على رغم ان خيار الحرب يستمر مفتوحاً، وليس مقفلا ومطمئنا على نحو كلي، بحيث يمكن الجزم بان هذا الخيار لن يكون واردا في المطلق. واحد ابرز اهداف هذه الضغوط الاميركية التي تمارسها وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس هي في اطار اقناع الرئيس الاميركي جورج بوش بوجوب بذل كل ما يمكن من اجل احراز تقدم على المسار الفلسطيني الاسرائيلي قبل نهاية ولاية بوش الثانية، ان لم يكن في تسوية نهائية وشاملة على ما كان وعد بوش بايجاد حل قبل نهاية السنة الجارية بدولتين فلسطينية واسرائيلية، فعلى الاقل في احدى قضايا الحل النهائي بحيث يمهد له او يخطو خطوات اضافية على هذه الطريق.
هذا الضغط الاميركي ينسحب ايضا على اسرائيل بالنسبة الى لبنان، في ما لو كان وارداً، على رغم انه ليس كذلك في الواقع. ذلك ان كلام المسؤولين الاسرائيليين واستعدادات الجيش الاسرائيلي بما فيها المناورات الضخمة التي بدأت بها امس، تعطي مؤشرات قوية الى ان الحرب امر وارد، خصوصا حين يعطف الاسرائيليون هذه المواقف على كلام لهم حول سلاح لـ”حزب الله” في جنوب نهر الليطاني وعلى استمرار تهريب السلاح عبر الحدود السورية اللبنانية، وحتى عن تفتيش دولي للسفن المتوجهة الى السواحل اللبنانية والسورية. وكذلك حين يعطفونه على واقع ان اسرائيل ترغب في اعادة الاعتبار الى صورتها كدولة اقليمية قادرة على مواجهة جيرانها العرب وترهيبهم، بعدما اهتزت هذه الصورة في شكل قوي في حرب تموز 2006، وهي ستنتهز الفرصة لذلك. و”حزب الله” من جهته يدلي بمواقف ويتصرف من حيث تعبئة قواه واستنفارها، كأن الحرب واقعة غداً، علما ان مسؤولين لبنانيين كثراً يعتقدون ان الحزب يمتلك من الحكمة ما يكفي من اجل الا يعطي لاسرائيل ذريعة مجددا لشنّ حرب شاملة ضد لبنان. وهذا يعني بالنسبة الى المراقبين المعنيين ان الخوف من العنف ومن الاسوأ والتهديد بالحرب يشكّلان الرادع الحقيقي في هذه المرحلة، واضطر المسؤولون الاسرائيليون الى الادلاء بمواقف مطمئنة بالتزامن مع المناورات التي قام بها الجيش الاسرائيلي مما يوحي ان المنطقة ليست على شفير الحرب، التي تضر بمصالح الافرقاء المعنيين على اكثر من صعيد ولا يتحملها الاسرائيليون في الدرجة الاولى، كما السوريون و”حزب الله” ايضاً، ولا يمكن ان يستمروا فيها طويلا بعدما حددوا مواقعهم واظهروا قوة الاوراق التي يملكها كل منهم. حتى ان السوريين ايضا لم يفتهم نفي، لا بل تكذيب كل الانباء التي تحدثت عن استعدادات للحرب لدى الجيش السوري واستدعاء الاحتياط وحتى حشد جيوش على الحدود مع لبنان في منطقة البقاع خصوصا.
هذا لا يعني غياب المناورات من الجانبين على الحدود اللبنانية – الاسرائيلية بما يوتر القوة الدولية العاملة في الجنوب، ولا غياب الاستفزازات والانتهاكات الاسرائيلية، وربما ايضا اللبنانية، لكن هذه المناورات التي يمكن ان تتزايد او تتراجع شيء، والحرب شيء آخر مختلف كليا. وواقع الامور ان مجمل هذه المعطيات، بالاضافة الى تقارير خارجية استخباراتية او سياسية، تذكي حماسة المتابعين في عواصم عدة في العالم، خصوصا وسائل الاعلام التي تساهم في تسعير المخاوف من حرب جديدة في المنطقة بناء على التوتر المتصاعد والكلام التهديدي، بما يرخي ظلالا قوية حول حرب وشيكة في لبنان او عليه.


لكن وللمفارقة، تبدو هذه المعطيات نفسها مطمئنة بالنسبة الى مصادر رسمية لبنانية من حيث تهدئة المخاوف من حرب اقليمية او من حرب على لبنان، خصوصا انها تعتبر ان ما لديها يفيد ان الامور، على صحتها ودقتها، تتخذ طابعا مضخما اكثر من المعتاد ولا تعكس حقيقة ما يمكن ان تؤول اليه الاوضاع عموما. واذا اضيفت هذه المعطيات الى تلك المتعلقة بحرص الافرقاء اللبنانيين على ابقاء خلافاتهم دون سقف ايصالها الى الشارع مجددا على غرار ما حصل في مراحل مختلفة ومتعددة من الازمة السياسية المستمرة منذ سنة ونصف سنة تقريباً، فان كل ذلك ينتج معادلة مريحة بعض الشيء بالنسبة الى لبنان، هي ان لا حرب اهلية في الداخل على رغم استمرار الخلافات السياسية، ولا حرب مع اسرائيل على رغم توتر الامور المتصلة بها. لكن هذين العنصرين النافيين لا يساعدان رغم طابعهما الايجابي جدا على اعادة انتاج دور الدولة والمؤسسات الدستورية في لبنان. فهذه تبدو في حكم المؤجلة على رغم الجهود والاتصالات لابقاء المساعي قائمة وفاعلة الى حد ما.  

المصدر:
النهار

خبر عاجل