#adsense

هل يتوقف العرب واللبنانيون عن تحويل هزائمهم الى “انتصارات”؟!

حجم الخط

هل يتوقف العرب واللبنانيون عن تحويل هزائمهم الى “انتصارات”؟!

محمد مشموشي

 

يشبه الحديث الاحتفالي عن “نجاح” القمة العربية في دمشق، لمجرد أنها عقدت في مكانها وزمانها، الحديث الاحتفالي الآخر عن “انتصار” المقاومة في حرب تموز/آب العام 2006، لمجرد أنها منعت العدو من تحقيق أهدافه من الحرب.
ليست غاية هذا التشبيه قياس درجة “النجاح” أو “الانتصار” هنا أو هناك، ولا مناقشة كيفية ترجمة ذلك على الأرض، بل التوقف مليا عند الظاهرة التي باتت مقيمة في دنيا العرب، وفي لبنان أيضا: السعي الدائم لتحويل الهزائم الى انتصارات… أو اظهارها كذلك على الأقل. واذا كان من شأن التوقف الفاحص عند هذه الحالة أن يزيل بعض الضباب الذي أحاط بالحياة السياسية العربية، وما يزال، فأحقيته الآن أن يسهم في وضع نقاط على الحروف التي يمكن أن تشكل اجابة عن السؤال المطروح بين العرب، وبين اللبنانيين تحديدا، عن أي “انتصار” حققه، هؤلاء أو أولئك، فيما مصير المنطقة عن آخرها فضلا عن كل بلد من بلدانهم (ليس لبنان وحيدا في هذا الصدد) على المحك؟!.


أقرب مفارقة صارخة، غداة قمة دمشق ذاتها، تعطي الدليل. فبعد أربع وعشرين ساعة فقط من القمة “الناجحة”، كانت سبع دول أوروبية جديدة تنضم الى “نظام شينغن” ليصبح ما يقرب من أربعمئة مليون انسان أوروبي (ضعف سكان العالم العربي تقريبا) قادرين على التنقل في عموم القارة من دون جوازات سفر، فيما كانت الحدود بين سوريا وكل من لبنان والاردن والعراق تشهد شبه اقفال، ولو مؤقت، بسبب ما وصف بفروق سعر مادة المازوت بين سوريا وتلك البلدان.
وليس حاضر العرب هذا، حاضرهم “الناجح” و”المنتصر”، سوى جزء بسيط من ماضيهم الذي، لانعاش الذاكرة في هذه اللحظة، يتحدث عن نفسه.


فلعل هزيمة العام 1948 في فلسطين كانت الحالة الوحيدة في التاريخ الحديث التي اعترف بها العرب كما هي فعلا، أي باعتبارها هزيمة، وما زالوا حتى الآن، لكنهم تنكروا فيما بعد لكل ما لحق بهم من هزائم لاحقا، بل عملوا جاهدين، وبقرار متعمد من قياداتهم وأحزابهم السياسية وبعض نخبهم الفكرية، على تحويلها الى “انتصارات”.
هكذا كان الأمر مع هزيمة العام 1967، التي باتت مجرد “نكسة” في جانب منها، هو الجانب العسكري، وعبارة عن “انتصار” في الجانب السياسي، بعد أن “تبين” لدى القيادات (وأبلغ ذلك الى الجماهير، مقالات وقصائد وأغاني وأفلاما سينمائية) أن هدف العدوان الاسرائيلي كله كان اسقاط الأنظمة في مصر وسوريا والأردن … التي لم تسقط، والتي تكون بذلك قد أفشلت العدوان بافشال أهدافه!.


وهكذا كان الحال أيضا مع حرب العام 1973، التي حققت عمليا عبور قناة السويس في جانب والجولان وصولا الى بحيرة طبريا في جانب آخر، الا أنها انتهت الى ما هو معروف سواء عند الكيلومتر 101 في مصر أو عند تخوم مدينة القنيطرة في الجولان. مع ذلك، فلا خطاب سياسيا أو كلمة مكتوبة عن هذه الحرب الا ويأتي مقترنا بصفة “انتصار” أو “تحرير” أو ما شابه !. وبالرغم من أن انهاء احتلال سيناء وانسحاب القوات الاسرائيلية منها تم على خلفية تلك الحرب، فالمنطق يقتضي الاعتراف بأن ذلك ما كان ليتم لولا المفاوضات الصعبة، وحتى المساومات التي غالبا ما يتبرع البعض، عندما يرد ذكرها، بالصاق صفات مثل “الخيانة” أو “المؤامرة” أو “الاستسلام” بها !.


ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة الى “الهزائم” السياسية العربية العديدة التي تحولت بدورها الى “انتصارات”، سواء منها ما يتعلق بفرنسا شارل ديغول التي وقفت بقوة ضد اسرائيل غداة عدوان العام 1967، أو بالقارة الافريقية التي قطعت علاقاتها معها بشكل شبه كامل بعد حرب العام 1973، أو ما كان يسمى بحركة دول عدم الانحياز والصين والهند الخ.. ولا تلك التي لا يتحدث عنها أحد وتتصل بالتنمية والتعليم والحريات العامة وحقوق الانسان.


ونظرة واحدة الى فرنسا اليوم، فضلا عن افريقيا والهند والصين وأميركا اللاتينية وعموم دول عدم الأنحياز، تكشف الى أي مدى أضاع العرب انتصاراتهم الفعلية سواء وهم ضحايا أو وهم في قلب الحراك السياسي العالمي في منتصف القرن الماضي.


في حالة العرب اليوم، يكاد يصم الآذان خطاب “الانتصار” الناجز (أو الموعود، لا فرق) على المشروع الأميركي الخاص بـ”الشرق الأوسط الكبير”… ولكن كما هو واقع الحال، للتغطية على هزيمة مدوية، في المنطقة العربية كلها، من دون أن ينبس أحد بكلمة عنها: الوجود العسكري الأميركي المباشر، فضلا عن السياسي والاقتصادي والثقافي، على مساحة أرض العرب من الخليج الى المحيط.


الا أن المهزلة الكبرى تبدو جلية، ومضحكة في الوقت ذاته، عندما يتعلق الأمر بكل من لبنان وفلسطين والعراق بصورة خاصة. ففي كل هذه الساحات، “منتصرون” بالنقاط أو بالضربة القاضية، ولكن ليس على العدو المعروف والواضح المعالم، وانما على اخوان لهم في القضية الواحدة والمصير الواحد والوطن الواحد. وفي المسار ذاته، مسار تحويل “الهزيمة” المؤكدة الى “انتصار”، فالتهمة جاهزة هنا وهناك وهنالك: “عملاء” العدو لا يختلفون في شيء عن العدو ذاته، واذا لم يكن “الانتصار” (وفي حالة قمة دمشق، “النجاح”) متوافرا على العدو، فلا ضرر من انجازه في مواجهة عملاء ذلك العدو !.
هذا هو منطق المعارضة في لبنان، وهي تقف “متحفزة” وراء مجموعة متاريسها (استقالة الوزراء، واقفال مجلس النواب، ومنع انتخاب رئيس الجمهورية، واعتصام مخيم ساحة رياض الصلح) للتقدم على طريق “الانتصار” الناجز الذي وعدت به جماهيرها … على “الخونة” و”العملاء” من شركائهم في الوطن.


وهو كذلك منطق “حماس” و”الجهاد الاسلامي” في فلسطين، وهما “تستقلان” بقطاع غزة عن السلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله، وتستخدمان سلاحهما ضدها وضد قواتها الأمنية بـ”نجاح” أكبر مما هو ضد قوات الاحتلال الاسرائيلي.


وهو، بالطبع، منطق تنظيم “القاعدة” والمتعاونين معه، من العراق ومن خارجه، والميليشيات والفرق المذهبية والعشائرية المسلحة، حيث يقتل من العراقيين أكثر مما يقتل من الأميركيين بمئات المرات .. بينما يتأكد يوميا بقاء قوات الاحتلال في هذا البلد العربي، بالقدر نفسه الذي يتأكد فيه توجه دولة العراق اما الى التفكك او الى الحرب الأهلية المديدة أو الى الزوال.


هل يأتي يوم يعترف فيه العرب، واللبنانيون من بينهم، بهزائمهم هذه أولا، ثم بهزائمهم الذاتية الأخرى وهم يحولون هذه الهزائم، عامدين متعمدين، الى “انتصارات”؟!.
لعل هذا هو السؤال الكبير، خاصة بعد قمة دمشق العربية “الناجحة” فيما يمر العالم العربي، وكل دولة من دوله على حدة، في احدى أقسى لحظات هزيمته الداخلية في التاريخ الحديث.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل