هل بدأ العد العكسي لدور عون سورياً
مهى عون
قد يكون من غير الواقعي محاولة فهم وتفسير النهج السياسي الذي اعتمده الجنرال عون بعد عودته من باريس، خارج إطار الدور الذي أوكل إليه على يد الموفدين المقربين من النظام السوري الذين زاروه في فرنسا. وهو دور التزم به حتى الساعة، خير التزام. هذا مع العلم أن عمل رجل السياسة بشكل عام يظل عادياً ومألوفاً ولا يمكن توصيفه بالدور، حتى ينحرف عن مساره الطبيعي، ويخرج عن مبادئه الأولية، التي أعلنها واعتمدها في بداية مسيرته السياسية. ولقد ذكّر السفير الاميركي السابق جيفري فيلتمان بدور عون السوري، إذ صرّح لصحيفة الراي الكويتية بتاريخ 21 مارس/أذار 2008: “بأن عون ينفذ أجندة سورية، وأضاف أن لحزب الله ماضي دموي ويشكل دولة ضمن الدولة”.
ولا يمكن الرد على كلام “الدور” هذا، بأن خروج الجنرال عون من تاريخه السيادي، هو كإنقلاب السلطة اليوم على الدور الذي ارتضته إبان الاحتلال السوري، لأن رضوح السلطة الحالية وقيامها ب”دور” سياسي ما، خارج عن ارادتها الفعلية أيام الوصاية، وانتفاضها على هذا الدور وعلى هذه الممارسة عند زوال الاسباب القاهرة والموجبة لذلك، هو أمر طبيعي ومن المفترض أن يحدث،ولا يمكن مقارنته بقبول لعب “دور” الحليف، لحلفاء النظام السوري، ومن منطلق الخيار الحر،دون أي ضغط أو اكراه. هذا مع العلم أن حليف حليفي، أو صديق صديقي، هو أيضاً حليفي وصديقي، والجنرال لا يمكنه أن يغسل يديه ويتنصل من هذه المعادلة لا قولا ولا فعلا، مهما حاول المقربون منه لفلفة هذا الواقع المذري والمهين، عن طريق تغطية السماوات بالأبوات.
إن الدور الذي أوكل إلى الجنرال عون وقََِبلَه، وهو بكامل قواه العقلية، حين كان في منفاه الفرنسي، هو باختصار تأمين الغطاء المسيحي لحزب الله. وهو غطاء كان ضروريا، حتى لا يلومن أحداً الحزب على كونه حزب طائفي شيعي، إيراني الانتماء والايديولوجيا، سوري الهوى والارتباط. وهو دور ِجيء بالجنرال من فرنسا خصيصاً من أجله، وأغدقت في سبيله وعلى أقدام “الجنرال” شتى أنواع الاغراءآت والتقديمات، ليس أقلها كرسي الرئاسة.
أما الدور الذي ألصق به لاحقاً، وقد يكون لا حول له تجاهه ولا قوة، فهو دور البائع المتجول حامل السلة، والمروج لبضاعة المعارضة. وليس مستبعداً أن يكون قد ُفرض هذا الدور على “الجنرال” فرضاً من قبل الباب العالي، لأنه ما من عاقل لا يدرك أن في تقدم المسيرة، أي مسيرة سياسية، دونها والعواقب والاخطار التي يترتب عليها هذا التقدم. وليس خفياً على أحد، بأن السائر في المقدمة يتلقى دائما الضربات الاولى، ناهيك عن احتمالات الاحتراق والصوصفة. فبالنسبة لسوريا قد تكون قد فضلت ألف مرة وضع عون في المقدمة، وحرقه عندما تدعو الحاجة لذلك، أي عندما تدق ساعة حرق الاوراق في سياق عملية السلام مع اسرائيل أو مع أميركا، على صوصفة الحلفاء التقليديين مثل حزب الله وأمل، الذين يجاهرون بحلفهم وصداقتهم مع سوريا بشار الاسد، وعلى رأس السطح، ولا يخجلون بارتباطهم وشغفهم بالنظام القائم في سوريا، ولا ينكروه كلما صاح الديك اسوة بالجنرال عون، والناطقين باسمه.
ولكن ما الذي يخولنا ادعاء أن العد العكسي لعون سورياً قد بدأ، وذلك بعد أربعة سنين من احتضانه من قبل الاطراف الموالية للنظام السوري؟
في الحقيقة ان استهداف عون سورياً، ليس استهدافاً له بحد ذاته كزعيم مسيحي، ولكنه استهداف لدوره كغطاء لحزب الله. فالغطاء الذي كانت بحاجة اليه سوريا لتجميل صورة حزب على الصعيدين اللبناني والعربي، لم يعد ضرورياً، لأن الحزب أصبح هو بذاته ضمن دائرة الاستهداف السوري، استجابة لرغبة اسرائيل في تقليص حجم حزب الله، كشرط أساسي لانطلاق مفاوضات السلام. وإذا كانت تصفية زعماء وقادة الحزب باتت محظورة اليوم ايرانياً، فأفضل طريقة لتحجيم الحزب قد تكون عبر تقزيم حلفاؤه. لذا من المتوقع أن تبدأ في المستقبل المنظور عملية تصغير حجم حزب الله، عن طريق رفع الغطاء المسيحي عنه، الأمر الذي سوف يحول دون استمرار الحزب بادعاء تمثيل أوسع شريحة من اللبنانيين. وبدراية أو من دونها، قام بجزء من هذه المهمة التقزيمية لعون ولكتلته، الوزير السابق ميشال المر، حليف الجنرال عون سابقاً، والجالس إلى يمينه، حين أعلن نوعاً من الانفصال عن عون بتحميله ونوابه المسيحيين مسؤولية تعطيل الانتخابات الرئاسية. وفي السياق ذاته وضمن الاستراتيجية السورية الهادفة لاحداث التصدع داخل التيار العوني، بدأت تظهر بوادر انشقاقات في البيت العوني، عبر تمرد بعض كوادر التيار المقربين بذات الوقت من حزب الله والسوريين. خلافات على المراكز والمكاسب المادية، قد تؤدي على المدى المنظور إلى انشقاقات داخلية، وعلى المدى الأبعد قد تؤثر سلباً على سمعة التيار وشعبيته على الصعيدين المسيحي واللبناني. كما أنه من الوارد أن تحدث شرخاً نهائياً فيما بين حزب الله والتيار العوني.
وإذا كان لا بد من اسقاط بعض الاوراق في بداية كل مفاوضات، لتفعيل المسار التفاوضي، وإذا شكل اغتيال عماد مغنية، بغض النظر عن الجهة المخططة والجهة المنفذة ، أول ورقة تسقط في سياق اطلاق عملية السلام، لا بد لسوريا في المرحلة المقبلة من الاستمرار في التخلي عن الاوراق، من أجل المحافظة على مسار عملية السلام قائماً، في ظل استمرار التشدد والتعنت الاسرائيليين. وكما عودنا النظام السوري دائماً في لبنان، قد تتعدد وسائله الظاهرة في إيصال الرسائل، فيما أهدافه النهائية تظل واحدة وخفية، قد تبدو أهداف النظام السوري اليوم غير واضحة المعالم، في وقت رسائله واضحة، وتتمحور في المرحلة القائمة على تحجيم حزب الله، وتقزيم عون. وكما حصل بالنسبة لخيار حمل السلة، لن يكون لعون هذه المرة أيضاً أي خيار، في موضوع الانكفاء والابتعاد عن حزب الله، بل سيجد نفسه متقمصاً لهذا الدور غصباً عنه ومرغماً، عندما يحين وقت اسقاطه هو أيضاً “كورقة ثانية” بعد عماد مغنية، في سياق المحافظة على مسار عملية السلام.