هل أخطأ بري التقدير فأتى بمبادرته في الوقت الصعب؟
ابراهيم بيرم
ينقل عن الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى انه قال بلهجة المستغرب في أحد اللقاءات الجانبية التي عقدها ابان القمة العربية في دمشق ان اللبنانيين لديهم قدرة على التكيف مع اي امر الى درجة انهم طبّعوا انفسهم وكيَّفوا ظروفهم مع الفراغ الرئاسي الحاصل وارتضوا بالستاتيكو القائم الى حد انهم نسوا ان لا رئيس جمهورية منتخبا عندهم”.
حينها كان الرجل العالم ببواطن الامور اللبنانية وتشعباتها وتعقيداتها “يبشر” سلفا وفي شكل غير مباشر بأن وضع “الستاتيكو” الذي ادمنه اللبنانيون طوال الاشهر الماضية سيمتد الى اجل غير مسمى وان ليس في حوزته ما ينبىء بخلاف هذه الصورة غير المشرقة ولا الواعدة.
والواضح ان غالبية الاطراف الرئيسيين المعنيين بالازمة اللبنانية، طوعوا انفسهم ودبروا امورهم على اساس ان امر “الستاتيكو” مديد، فذهب رئيس “تيار المستقبل” في اجازة خاصة الى السعودية وفرنسا قاربت الشهر ونصف الشهر، واخذت قيادة “حزب الله” قرارا ضمنيا عممته على قياداتها وكوادرها الذين هم في الواجهة فحواه ان عليهم “الصوم” عن الادلاء بأي تصريحات، الا من يكلفون الاطلالة في المهرجانات والاحتفالات، ووطن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط نفسه على ان امر الازمة في شكلها الحالي طويل، وانه يتعين على الموالاة ان تقابلها بحزمة اجراءات على المستوى الاداري لدعم صمود مؤسسات الدولة، والحيلولة دون انهيارها درءا لرغبات المعارضة ومخططاتها المضمرة الرامية اصلا الى إحكام حلقات الحصار حول الدولة، توطئة لإضعافها ومن ثم دفعها نحو التداعي والوقوع لاحقا.
لكن التطورات التي برزت لاحقا اظهرت أن اثنين لم يقتنعا بهذا الواقع العنيد وشاءا ان تكون لهما بصماتهما في هذه المرحلة، وربما وفق بعض القريبين منهما، اعتبرا ان موقعيهما يفرضان عليهما عدم البقاء “مسمرين” على خشبة الواقع عاجزين عن الحراك. لان قبولهما بالواقع كما هو مرسوم، ينال منهما سمعة وموقعا اكثر من سواهما.
ولذلك شرعا في حراك كل في اتجاه معاكس للآخر، فذهب الرئيس فؤاد السنيورة الى عواصم عربية ومعنية (القاهرة ابوظبي الرياض…) مستكشفا اولا آفاق مرحلة ما بعد قمة دمشق ونتائجها ومحاولا ثانيا وضع خطوط الاعتراض على دمشق، وسياستها حيال الازمة في لبنان، فرفع حملة لاستدعاء تحرك عربي يحمل دمشق وحدها مسؤولية التعثر السياسي في الساحة اللبنانية.
اتجاهان متعاكسان
وبذا يكون الرئيس السنيورة مضى في رحلته، وهو مدرك ان كل المحاولات التي جرت قبيل القمة العربية وفي اثنائها وبعدها وقد اخفقت تماما في تضييق شقة الخلاف بين المعسكريين العربيين المعروفيين.
وفي المقابل ذهب رئيس مجلس النواب نبيه بري في اتجاه معاكس، كجزء من حركة سياسية. كان رسم خطوطها العامة قبيل انعقاد القمة العربية، عندما تحدث صراحة عن نيته الشروع في اطلاق مبادرة جديدة غايتها انضاج ظروف التسوية المرتجاة لاخراج لبنان من ازمته التي بلغت حد الاستعصاء، محددا عنوانين لذلك.
الاول، اذا ما اخفقت قمة دمشق في رأب الصدع العربي ثم في تزخيم المبادرة العربية من اجل لبنان.
ثانيا: التوجه الى العاصمتين اللتين يدرك سلفا وبعمق ان توافقهما يعني دنو بشائر الحل وان استمرار تباعدهما يعني اطالة املا المراوحة في لجة الازمة.
القريبون من الرئيس بري لا ينكرون ان ثمة اعتبارات داخلية تدفعه الى سلوك طريق الحراك السياسي الذي بدأه قبل فترة، وهو انه تلقى اشارات ايجابية، اولها من اطراف عدة وبعضهم من معسكر خصومه السياسيين، تشجعه على المضي قدما في دعوته الجميع الى طاولة الحوار الوطني مجددا. وثانيها اعتقاد بري امكان بروز معطيات اقليمية في اي لحظة تساهم في انضاج تسوية الوضع اللبناني، وبالتالي يتعين ان يكون الافرقاء اللبنانيون المعنيون على اهبة الاستعداد لملاقاة هذا التطور الايجابي بتوفير العدة الداخلية اللبنانية اللازمة.
وثالثا، ان اقتناع بري لم يتزحزح بأن لا مجال لأي حسم يرجح كفة فريق على آخر وبالتالي لا بد من الثبات على ثقافة التسوية” والتمسك بفلسفتها ومقتضياتها مهما طال الوقت.
ولا يخفي القريبون من بري انه دفع ثمن هذا الاقتناع من معسكر حلفائه في المعارضة، خصوصا بعدما اتهمه بعض هذا المعسكر بأنه “الخاصرة الرخوة” التي تغل يد المعارضة عن القيام بخطوات تساهم في الجزم والحسم.
ويضاف الى هذه المؤشرات ان بري مصر على البقاء في صف الداعين وبقوة الى عدم ابقاء الساحة السياسية خالية من اي مبادرة او حركة ما، لأن يترك الفراغ السياسي مسيطراً يفتح الابواب امام توترات سياسية وامنية لا تحمد عقباها.
ومع كل هذه المعطيات بات السؤال المطروح بالحاح ما هي الحصيلة التي يمكن الخروج بها من المرحلتين الاوليين في حراك بري في نطاق مبادرته، وهما الدعوة مبدئيا الى طاولة الحوار الوطني في مجلس النواب مجددا، ونتائج زيارته لدمشق للمرة الاولى منذ نحو عامين.
ولا ريب ان ثمة قريبين من الرئيس بري باتوا يستشعرون ان مبادرته تلقت صدمة سلبية قوية من خلال امرين:
الاول، كلام الرئيس السنيورة عليها الذي كان اشبه ما يكون بنعي المبادرة.
والثاني، تيقنه ان التجاذب السوري – السعودي ما زال في اوجه، وذلك بعدما راودته آمال فحواها ان المساعي المعلنة المخيفة لا بد من ان تخفف منسوب هذا التجاذب او تبرده، وذلك استنادا الى معلومات وتحليلات وتجارب في هذا المجال عايشها بري مرارا خلال رحلته السياسية الطويلة في مجاهل اللعبة السياسية اللبنانية.
اما وقد عاد بري الى قواعده من دمشق فالسؤال المطروح ماذا بعد؟ واستطراداً هل سيكمل ما بدأه.
بالطبع، يجيب القريبون منه فبالنسبة اليهم لا يعني كلام السنيورة “نعيا” للمبادرة وقطعا للطريق عليها وفق ما يراه بعضهم الذي يعتبر ان السنيورة في مهمة خارجية وبالتالي مفروض عليه ان يحسن شروطه”.
اضافة الى ذلك، يقول هؤلاء ان “الجواب الحاسم والقاطع لم نسمعه لا مباشرة ولا مداورة بعد من المعني الاول بالاجابة، وهو رئيس كتلة “المستقبل” النائب سعد الحريري.
وعليه يخلص هؤلاء الى القول ان الرئيس بري ماض في خياراته الى النهاية، وبالتالي يسأل ما هو البديل الكامل المتكامل والمقنع لديهم؟ اذ ان الكلام على ضرورة ان يكون الحوار باشراف الرئيس المنتخب لا يسمن ولا يغني عن جوع ولا يساهم في حل ازمة.
وفي كل الاحوال ثمة في المساحة الحيادية بين المعارضة والموالاة من بات يتخوف، ان تصير مبادرة بري وحركة السنيورة وسعيه الى عقد اجتماع وزاري عربي لمعالجة العلاقات السورية – اللبنانية، مادتين من مواد التصعيد والسجال السياسي في المرحلة المقبلة، فيكون هناك من يشد الازمة صوب طاولة الحوار الوطني ومن يحاول ان يأخذ الازمة نحو أروقة جامعة الدول العربية، وبين هذا الصعب وذاك الاصعب، تنفتح ابواب الساحة اللبنانية امام مرحلة قاسية لا يستطيع احد تحديد كنهها، علما ان كثيرين ما زالوا يرون ان التوازنات الداخلية ما زال في مقدورها ان تمتص آثار هذه الموجة الجديدة من التصعيد الجديد.
ومهما يكن الامر، لا بد من الاشارة الى ان اطراف رئيسيين في المعارضة يحكمون سلفا على مبادرة بري بانها لن تستطيع الوصول الى امكنة بعيدة.