السيّد نبيه برّي والمبادرات الثلاث: التسلّط في مواجهة السلطة!
نبيل خليفة
أعلن السيد نبيه برّي عن مبادرة جديدة للحوار. وعلى عكس المبادرة الحوارية التي سبقت حرب تموز 2006 وتم تفطيسها بكل قراراتها ومفاعيلها بواسطة الحرب، تأتي المبادرة الحالية لتشكّل ثالثة الأثافي بعد احتلال وسط العاصمة ثم إقفال مجلس النواب بالتكافل والتضامن بين السيد بري وحزب الله… والبقية تتبع!
ماذا تعني هذه المبادرات في قراءة جيو ـ سياسية؟
1 ـ إن الهدف الشامل الذي تخدمه وتعمل له هذه المبادرات، أي أصحابها والداعون إليها، إنما هو السيطرة على الحيّز اللبناني وبالتالي السيطرة على الحكم إذا لم يكن عبر السلطة فليكن عبر التسلّط. وشتّان ما بين سلطة شرعية تحمل تفويضاً من الشعب بواسطة الانتخابات والأكثرية النيابية ولها الحق بالحكم وللناس واجب الطاعة لها، وبين قوى تسلّطية أقلوية تحاول بقوّة السلاح والخروج على الدستور والقانون إملاء نفسها على الدولة والناس بقوّة الأمر الواقع وبأسلوب الفرض والإذعان.
2 ـ إن احتلال وسط العاصمة بيروت، كان قراراً مركزياً استراتيجياً جرى تغليفه بتظاهرات وحركات احتجاجية شارك فيها من دون وعي استراتيجي العماد ميشال عون. فاحتلال الوسط هو امتداد لتظاهرة 8 آذار 2005 التي حصلت في ذات المكان ولكنها تمدّدت في ما بعد شرقاً لتشمل الجبهة الجنوبية من ساحة الشهداء لتصل إلى مقربة من قبر الشهيد رفيق الحريري.
3 ـ من المعروف والمؤكّد في علم الجغرافيا السياسية أن أهم ما في الحيّز، أي الكيان السياسي، هو العاصمة لأنها مركز القرار السياسي والعسكري وبالتالي فالسيطرة على العاصمة بيروت هي نقطة مركزية للسيطرة على لبنان… وفي أقل الحالات لمنع الآخرين (الأعداء أو الخصوم) من السيطرة على البلاد.
4 ـ لقد بات واضحاً أن الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل) يشكّلان لبنة أساسية في الحركية الشيعية الإقليمية من الخليج إلى المتوسط وبالتالي، فهما لأسباب ذاتية ومذهبية وإقليمية يعملان لتأكيد وجودهما وسيطرتهما الممكنة على الحيّز اللبناني ضمن حسابات مختلفة. ولهذا فهما يسعيان إلى الانتقال من قوّة طرفية (جغرافية وديمغرافية وسياسية وعسكرية في لبنان تتركّز في الجنوب والبقاع) إلى قوّة مركزية لها الرأي والكلمة الفصل في العاصمة بيروت وهذا يعني في جملة ما يعني:
ـ تطويق السرايا والبرلمان.
ـ إضعاف السلطة السنّية برمزيّتها: بيروت والسرايا والحريرية.
ـ شلّ الدورة الاقتصادية “للبورجوازية” المسيحية والسنّية على يد “البروليتاريا” الشيعية!
5 ـ لقد جرى التمويه على احتلال وسط العاصمة في البداية بإظهاره كما لو أنه عملية اعتصام احتجاجية والمعروفة بالفرنسية بـ(SIT-in). ولكن سرعان ما تبيّن أن المسألة تتخطّى هذا الأمر بكثير ولها أبعاد استراتيجية منها:
ـ شلّ عمل الدولة وعزل رئيس الوزراء رداً على عزل رئيس الجمهورية (بعد صدور قرار مجلس الأمن 1559¬ 2/9/2004).
ـ قسمة بيروت إلى شطرين: غربي (سنّي) وشرقي (مسيحي) والفصل بينهما بوجود شيعي “مدرّب” يمتدّ من قلب المدينة في ساحتي رياض الصلح والشهداء وصولاً إلى مطار رفيق الحريري الدولي والضاحية الجنوبية على الخطّ السريع للمطار وشارع بشارة الخوري. وهو وضع له معانيه العسكرية والسياسية بما يسمح بشطر المدينة والتحكّم بها إذا ما اقتضى الأمر ذلك!
ـ إبراز عدم التوازن في القوى الدولية بين الثنائي الشيعي والسلطة بما يجبر القوى الدولية المؤيّدة لشرعية الحكومة على إعادة حساباتها آخذة في الاعتبار ميزان القوى على الأرض!
ـ استخدام فائض القوّة لدى حزب الله بعد حرب تموز 2006 لإحداث تغيير في المعادلة الداخلية وذلك بالانتقال من مهمّة المقاومة تجاه الخارج لمهمّة السيطرة على الداخل.
ـ إكمال الحلقة (حلقة التسلّط) بإتخاذ السيد نبيه بري قراره الشهير بإقفال البرلمان اللبناني لأسباب واهية مستخدماً ربما فائض القوّة بالتكليف الشرعي، وهو قرار صار موضوع تندّر واستنكار لدى اللبنانيين ولدى معظم زعماء الديموقراطيات في العالم!.
6 ـ واليوم تأتي مبادرة الحوار المعروفة مسبقاً بأشخاصها وموضوعاتها ونتائجها لدى الداعي إليها السيد بري.
لكن ألفباء الحوار أنه لا يتمّ، ولا معنى له في ظلّ ممارسة التسلّط: في الاحتلال والإقفال. فمبدأ الحوار لا يلتقي أبداً مع مبدأ الفرض والإكراه والإذعان… وإلا كان الحوار جزءاً مكمّلاً لسياسة التسلّط المعتمدة حتى الآن!. بما فيها التمييع والتسويف للتهرّب من الاستحقاق الرئاسي!.
هذه المبادرات الثلاث لها عنوان واحد، ومعنى واحد، وهدف واحد هو: ممارسة التسلّط والهيمنة في مواجهة السلطة.
ولهذا تكثر العراقيل أمام انتخاب العماد ميشال سليمان لرئاسة الجمهورية!.
لأن هذا الانتخاب يعني فعلاً الشروع في إعادة بناء السلطة!.