#adsense

“ضربات” تتلقّاها الأقلية هذه الأيام

حجم الخط

بين الانشقاق السياسي لميشال المرّ عن عون
وخسارة برّي المصداقية كرئيس للمجلس لبنانياً وعربياً ودولياً

“ضربات” تتلقّاها الأقلية هذه الأيام
نصير الأسعد

 

الأسبوع الماضي، أي في الأيام التي تلت مباشرة إنتهاء قمّة دمشق، لاحظ المتابعون المواقف المتناقضة التي عبّر عنها فرقاء الأقلية، والتي عكست إرتباكاً وتفككاً في صفوفها.


المرّ وإعلان “الإستقلال” عن عون


في الأسبوع الجاري، كان لا بدّ من ملاحظة “الصفعات” أو “الضربات” التي تلقتها تلك الأقلية على غير صعيد.
فـ”الحدث” الأبرز هذا الأسبوع، تمثّل في إعلان النائب ميشال المر أول من أمس “إستقلاله” السياسي عن “تكتل التغيير والإصلاح” الذي يترأسه الجنرال ميشال عون. ولا مبالغة في القول أنّ حدث الأسبوع هذا إنما هو “حدث المرحلة”، بمعنى أنه يشكّل نقطة تحوّل أساسية على جبهة الأقلية المسمّاة “معارضة”.


صحيحٌ أنّ خلاف المرّ مع عون وتياره وكتلته النيابية ليس جديداً، أي أنّ لإعلان “الإنفصال” مقدمات معروفة خصوصاً منذ شغور موقع الرئاسة. بيد أنّ ما أعلنه المرّ في مهرجان ضبية هو بمثابة “إنشقاق سياسي”. إنشقاق سياسي في النظرة إلى الأزمة كما في النظرة إلى الحلّ. وهذا الإنشقاق هو الأول من نوعه.


“إنشقاقٌ سياسي” بإمتياز


ذلك أنّ ميشال المرّ، في تحديده للأزمة، أبرز افتراقه عن الأداء غير الدستوري لـ”المعارضة”، وعن الشروط التي سمّاها “متاجرة سياسية” التي تكبّل المسار الدستوري في البلاد. وفي تعريفه للحلّ، دعا إلى إنتخاب المرشح التوافقي العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية فوراً وبلا قيد أو شرط.


إذاً، حمّل المرّ “المعارضة” لا سيما “جناحها” المسيحي مسؤولية التعطيل. وإذا كان من المبكّر نسبياً الحديث عن تفاعلات الخطوة التي أقدم عليها المرّ والدينامية التي يمكن أن تُطلقها، أي إذا كان مبكّراً الحديثُ عن تأثيرها في مجال إنتاج ظرف إنتخاب رئيس الجمهورية، فإنّ لها في المقابل نتائج “محقّقة”.


فخطوة المرّ في وجه رئيسي من وجوهها، هي أول إنشقاق فعلي عن “الكتلة المسيحية المعارضة” التي يقودها عون. ممّا لا شك فيه أنّ تحوّلات كثيرة طرأت على الوضع المسيحي نُخباً ورأياً عاماً وحالةً شعبية خلال السنوات الثلاث بعد إنتخابات العام 2005. وكانت الإنتخابات الفرعية في المتن الشمالي العام الماضي 2007 إختباراً للتحوّلات في “المزاج” المسيحي، فأفادت عن تقدّم لمسيحيي 14 آذار. كما كانت المشاركة المسيحية في الذكرى الثالثة لإغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط الماضي محطة ثانية لتأكيد التحوّلات.


عودة عون إلى حجمه.. وأزماته


غير أنّ “قيمة” الخطوة التي أقدم عليها المرّ، هي أنّها نوعٌ من تصفية الحساب مع إنتخابات 2005 ونتائجها. بكلام آخر، ليس المرّ “مجرّد” نائب عضو في كتلة، وخروجه منها ليس خروجاً لـ”واحد”، بل هو خروج “جماعي” لما يمكن تسميته “حالة” سياسية شعبية، في المتن خصوصاً، من الكتلة العونية.


بذلك، لم يعُد مع عون أية “إضافة” حقيقية أو جدية، فضلاً عن تراجعه ضمن “الرأي العام” لصالح مسيحيي 14 آذار. و”يبقى” له “التيار”، وهذا الأخير “مأزوم”، ما حدا بالجنرال إلى تأجيل المؤتمر الحزبي حتى تشرين المقبل مع الطلب من المحازبين الصمت كي لا ينشروا غسيل الخلافات العاصفة بالتيار.


برّي.. بعد 2006
على أنّ الإنشقاق السياسي للمرّ عن عون لم يكن، بالرغم من كونه الحدث الأهم، الحدث الوحيد على جبهة “المعارضة”.


فالرئيس نبيه برّي تلقّى “ضربات” هو أيضاً.
كان على الرئيس برّي أن يعيد إكتشاف مجموعة من الوقائع والحقائق. فعلى الرغم من التفاوت في “نبرة” التعبير عن الموقف من دعوته إلى “التشاور” بين قوى 14 آذار، إلا أنّ ثمة تحوّلاً من 14 آذار على صعيد التعاطي معه.
في دعوتيه السابقتين إلى الحوار في آذار 2006 و”التشاور” في خريف العام نفسه، راعت 14 آذار لدى إستجابتها إلى الدعوتين ثلاثة إعتبارات رئيسية.


الأول هو أنّ الراعي “الطبيعي” للحوار، أي رئيس الجمهورية، كان إسمُه إميل لحود، وهي تطعن في شرعية وجوده في بعبدا بعد التمديد السوري القسري له، وكانت تطالب بإقالته.


والثاني هو أن بريّ رئيسٌ لمجلس النواب انتُخب بأصوات الأكثرية النيابيّة. وحتى ذلك التاريخ، كان ثمة اعتقاد أن في وسع بريّ أن يكون راعياً متوازناً للحوار من موقعه كرئيس للمجلس، كما كان تقديرٌ لدى كثيرين في 14 آذار، بأن بريّ “متميّز” عن باقي أطراف الأقلية كونه “في المبدأ” يمثل الشيعة في النظام السياسيّ ومصالحهم في “الدولة”، وبأن لديه هامشاً من القدرة على التحرّك… وبأنه في أسوأ الأحوال “مكره لا بطل”.


أما الاعتبار الثالث فهو أن 14 آذار كانت ـ في 2006 ـ مقتنعة بإعطاء فرصة جدية لتسوية حول عناوين جدولَي الحوار والتشاور.


إلا أن تطورات السنتين الماضيتين من جهة وحصيلة التجربة خلالهما من جهة ثانية، أتت تؤكد عدم قدرة بريّ على الفصل بين موقعه في “المعارضة” وموقعه في رئاسة المجلس النيابي، بل دوره في مساعدة الإنقلاب السوريّ على المسار الدستوريّ الديموقراطيّ… ناهيك عن أدائه مفوَّضاً باسم “المعارضة” في مرحلة من المراحل ما أدى الى تعطل التسوية.


..يخسر الإحتضان العربيّ والدوليّ


يمكن القول أن بريّ خسر لبنانياً مصداقيته كرئيس منتخب لمجلس نيابي شرعي منتخب. لكن على ما يبدو، حاول بريّ “تعويم” موقعه كرئيس للمجلس خارجياً. إلا أنه تجاهل أن الاحتضان العربيّ ـ الدوليّ الكبير لموقعه رئيساً للمجلس وراعياً للحوار اللبناني، لم يعُد قائماً، بعد أن تمّ “استهلاكه” من جانب دمشق ومن جانب الأقلية.


فالإحتضان العربيّ ـ الدوليّ، الذي يعني في جملة ما يعنيه اعترافاً خارجياً به وبدوره، تزامن مع توجّه عربي، ودولي ـ أوروبي خصوصاً ـ إلى إعطاء فرصة للنظام السوري ليسحب تدخله في لبنان. وكانت المبادرة الفرنسية، ثم المبادرة العربيّة في هذا السياق. غير أن المجتمَعَين العربيّ والدوليّ، وبعد ما آلت إليه المبادرتان، غير مستعدين لإستقبال أي محاولة “تمويه” على حقيقة الأزمة في لبنان. ولذلك مثلاً أتى جواب وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيظ عن سؤال حول زيارة لبريّ إلى القاهرة “ممغمغماً” بالمعنى الديبلوماسي، وكان موقف وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير “جافاً”، ذلك أنه بصرف النظر ربما عن “صيغة” كلام كوشنير فإن الموقف الفرنسي مستاء من عدم لعب بريّ دوره كرئيس للمجلس. وإذا كان الاحتضان العربيّ ـ الدوليّ لبريّ لا يقاس بتحديد مواعيد لزيارات يقوم ولا بالتراجع عن لفظيات “جافة” بل يُقاس بالمواقف السياسية المعلنة التي تؤكد ان الأزمة في لبنان ذات منشأ سوريّ، فيمكن القول أن بريّ خسر مصداقيته عربيّاً ودوليّاً فضلاً عن خسارته لها لبنانياً.


“الناجي” هل يستدرك؟


بين “ضربة” ميشال عون بميشال المر من ناحية و”ضربة” نبيه بريّ بـ”زوال” الحاضنة اللبنانية ـ العربيّة ـ الدوليّة من ناحية ثانية، ثمة تحولات في “المشهد” اللبناني. وإذا كان مستبعداً، بالصلة مع “تراثه” في التعاطي مع “الملمات” أن يستخلص الجنرال العبر، فإن بريّ الذي يصفه كثيرون بأنه “الناجي” الدائم “Survivor”، أقدر على الاستدراك إذا قرر تحمّل الشروط والمتطلبات

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل