حجر العقد
راجح الخوري
عملية تكوين رأي عام ضاغط على السياسيين والنواب للاضطلاع بمسؤولياتهم الوطنية واتخاذ القرار الصحيح وانتخاب رئيس جمهورية في اسرع وقت ممكن، لا تحتاج الى عناء كبير. ربما لا تحتاج الى اكثر من صوت شجاع يقف ويصرخ في الجميع:
كفى، البلد الى خراب، فسارعوا الى الانقاذ!
وهكذا يستطيع النائب ميشال المر الآن بعد المهرجان المتني الحاشد والكاسح الذي نظمه اول من امس لإطلاق صرخة الانقاذ، ان يستمع الى الرد يأتيه من كل المناطق اللبنانية، من رأي عام مضغوط ويكاد ان ينفجر لشدة الغيظ والقهر، بعد تعطيل الدولة ومؤسساتها واحلال الفراغ في مقام رئاسة الجمهورية. يأتيه صارخا:
“لبيك ابو الياس”. فلقد بلغ السيل الزبى كما يقال ولم يعد يجوز الصمت على تلك العملية المنهجية لتخريب لبنان!
واذا كان المر قد جمع 48 رئيس بلدية من اصل 49 و131 مختارا يمثلون مختلف مدن المتن وبلداته وقراه، فهذا يعني انه يقف في اعلى روابي السياسة في تلك المنطقة التي هي قلب لبنان النابض. وهذا يعني ايضا انه يستطيع بكثير من الارتياح ان يثبت لمن يلزم في المتن وفي خارجه ايضا ان “الامر لي”، كما سبق ان اوحى صراحة قبل فترة عندما قيل له ان الجنرال ميشال عون يدعو المتنيين الى النزول الى الشوارع فرد بالقول: هو يدعوهم الى النزول؟ ولكن اهل المتن لا ينزلون الى الشارع بما يضر بمصالح البلاد والعباد!
في “اللقاء المتني” الذي تحوّل مهرجانا ضاغطا جدا بمن حضره من الرموز البلدية والاختيارية التي توحي فعليا الاتجاهات الحقيقية للرأي العام، لم يقف ميشال المر ليعلن “الانفصال” عن الجنرال عون ولا ليعلن “حركة تصحيحية” داخل تكتل التغيير والاصلاح، اولا لان الانفصال قد يعني ضمنا بان الفرع يخرج من الاصل، وأبو الياس يعتقد انه اثبت تكرارا وبالارقام وعند صناديق الاقتراع انه هو الاصل الاصيل. وثانيا لانه صبر وصمت وابتلع كثيرا من المضض عندما راهن على التصحيح على امتداد هذه الازمة التي تكاد تذبح البلاد فلم يجد ان التصحيح ممكن. ولقد اشار الى ذلك ضمنا في خلال حديثه عن مراحل المساعي المبذولة للحل وخصوصا المبادرة العربية التي أغرقها الجنرال عون بما هو معروف من الشروط والمطالب الخارجة عن طبيعة نصها واهدافها وتراتبيتها الواضحة!
ويقرب الكلام الذي قاله المر في وصف سياسات التعطيل من اعلان للثورة على هذه السياسات التي ذبحت البلاد:
“(…) لا يمكننا القبول باستمرار التعطيل. لا يمكننا القبول به لانه لا يمكن اعتبار انتخاب رئيس جمهورية مادة للمتاجرة بمطالب سياسية ايا تكن. ان استمرار تعطيل جلسات الانتخاب كان بدعة لم يعرفها لبنان في تاريخه وكذلك اي دولة من دول العالم. اما خطورة هذه البدعة على النظام القائم في لبنان فهي ان هذا التعطيل سيصبح عرفا واجتهادا يتم تطبيقه في اي انتخابات رئاسية في المستقبل. ويتم عندئذ تعطيل كل انتخابات رئاسية لانه لا يمكن اي فريق من الموالاة او المعارضة ان يربح الانتخابات النيابية باكثرية ثلثي عدد النواب، ان حل ازمة الرئاسة سيؤدي الى عودة جميع مؤسسات الدولة الى العمل والنشاط والانتاج”.
ولقد كان واضحا منذ زمن بعيد ان موقع ميشال المر في “تكتل التغيير والاصلاح” انما يذكّر بالمثل القائل: “لا تهزه واقف عَ شوار” لان انماط العمل والتصريح والمبادرة واساليب الخطاب ونوعيات الناطقين وحملة الاختام والعناوين القيادية وما الى ذلك من مكونات القرار والحركة السياسية في التكتل جعل كثيرين من المنضوين اليه يتساءلون في سرهم:
اي قطار هذا الذي نستقله؟ والى اين يمكن ان يأخذنا ولم يسألنا احد او يطلب رأينا في السرعة او في التوقف او المحطات ووجهات السفر وما الى ذلك في هذه الرحلة الصاخبة؟!
وكان واضحا اكثر ان ميشال المر يملك في المتن، وفي سجله السياسي، ما يجعل منه قاطرة لا مقطورة. فكيف عندما يتذكر الجميع انه “قاطرة” قادرة على الوصول الى المحطة من دون كل تلك “الخصخصة” والمفاجآت التي عرفها “قطار التغيير والاصلاح” منذ انطلاقته المظفرة؟
الرأي العام الضاغط موجود، وفعلا وصل صوت ابو الياس الى كل مكان من هذا البلد المعذب. و”اللقاء المتني” سيحرّض بالتأكيد على تنظيم لقاءات مماثلة في مناطق كثيرة: كسروان وجبيل تحديدا.
عندما ذهبت لتعزية ميشال المر بشقيقته المرحومة مي قلت له:
دولة الرئيس انت مثل حجر الوسط في تكتل التغيير والاصلاح وتستطيع الآن ادارة حركة تساعد على الحل والخروج من الازمة، حركة تؤثر في 14 و8 آذار.
دولة الرئيس انت مثل حجر الوسط في تكتل التغيير والاصلاح وتستطيع الآن ادارة حركة تساعد على الحل والخروج من الازمة، حركة تؤثر في 14 و8 آذار.
ابتسم ولم يرد. ولم أكن أحسب ان حجر الوسط سيخرج بهذه السرعة مدوياً، وان العقد سيكون في ازمة كي لا نقول اكثر.