#adsense

حركة المر: تأثير متأخرّ رئاسياً ومتقدّم انتخابياً ؟

حجم الخط

خطوة تكتسب دلالة في المشهد المسيحي ولا تحجب محاذير الضغوط
حركة المر: تأثير متأخرّ رئاسياً ومتقدّم انتخابياً ؟

روزانا بومنصف



تؤثر “الحركة الانفصالية” التي قام بها النائب ميشال المر على الوضع السياسي راهنا ثم الانتخابي لاحقا للنائب العماد ميشال عون، في حال حصلت الانتخابات النيابية وتغيرت التحالفات الانتخابية التي ينذر بها انفصال المر عن “تكتل التغيير والاصلاح”، باعتبار ان النسبة الشعبية التي يستند اليها “التيار الوطني الحر” ستزداد ضمورا مما كانت في الانتخابات الفرعية في المتن العام الماضي. وهذا مهم قياسا بالنسبة الشعبية التي لازمت خطاب الجنرال عون في الاعوام الثلاثة الماضية في كل المحطات تبريرا لخط سياسي انتهجه خلالها.  والحركة التي قام بها المر مهمة في المضمون وفي دلالاتها السياسية خصوصا تحميله النواب الموارنة المسؤولية عن العرقلة الداخلية لانتخاب رئيس الجمهورية، ولا سيما المنضوين منهم في التكتل، الا ان هذه الحركة تفتقر في تقويم مصادر سياسية وديبلوماسية  الى جملة امور لتكون فاعلة حجمها.


فهناك، من جهة اولى، توقيت هذه الحركة. اذ كان يمكن في رأي متابعين سياسيين كثر، ان يكون تأثيرها اقوى لو انها حصلت بعد فشل الجلسة الاولى لانتخاب رئيس الجمهورية وفور انتهاء المهلة الدستورية لهذا الانتخاب. ويعود ذلك الى اعتبارات متعددة منها ان الانتخابات قبل اربعة اشهر وفي عز الاهتمام الدولي والعربي بها  كانت لا تزال جزئيا والى حد كبير  مسؤولية لبنانية، وخصوصا ان حركة المر كانت ستؤدي الى استدراج مواقف اخرى من التكتل كانت ستلقى تشجيعا على نحو مؤكد. الا ان الانتخابات الرئاسية والقرار في شأن اجرائها خرجا كليا من يد اللبنانيين ليصبحا قرارا اقليميا في ظل مصالح للدول المحيطة فرضت نفسها فبات متعذرا ان ينتخب النواب اللبنانيون رئيسا جديدا حتى وان توافرت اكثرية الثلثين المطلوبة ، وهي متوافرة في المبدأ لانتخاب الرئيس التوافقي العماد ميشال سليمان لكنها لا تترجم فعليا. وثمة علامات استفهام جدية على استمرار المعارضة المدعومة من سوريا في اطار خيار سليمان رئيسا. لذلك ترى هذه المصادر ان لحركة المر بُعدها من حيث اظهار الطابع الاعتراضي على الخيار السياسي والشروط التي يضعها العماد عون واعتباره خيارا لا يؤدي الى دعم موقع الرئاسة المارونية بل على النقيض من ذلك، ومن اجل احداث هزة في اوساط المسيحيين يفترض ان تجد صدى مهما لها تباعا وتدريجا، وايضا من اجل التلويح  بصعوبات جمة يمكن ان يصادفها هذا الخيار في الانتخابات النيابية المقبلة في حال حصولها، من حيث عدم مراعاته بعض مصالح الآخرين الى جانب مصلحته.
 وموقف المر منذ اطلاقه اثار اهتمام الداخل والخارج على حد سواء في ضوء مسارعة رؤساء بعثات ديبلوماسية  عدة الى محاولة معرفة ما اذا كان الانفصال عن عون يمكن ان يشهد استدراجا للنواب الموارنة من ضمن التكتل الذين لا يماشون عون فعلا في كل مواقفه لكنهم لا يخرجون على واقع التضامن مع التكتل. والسؤال يستمر في اثارة الاهتمام وخصوصا ان تداعيات محتملة  لحركة المر في الاوساط المسيحية  يمكن ان تحمل عون على اعادة النظر في مواقفه من القضايا الاساسية حفاظا على موقعه ومصالحه على حد سواء متى شعر انها مهددة فعلا .
هذه العناصر جميعها، بالاضافة الى التجاذبات ضمن “التيار الوطني الحر”، هي موضع متابعة وخصوصا انه في ضوء غياب الافق لاي حل تنحو التوقعات في اتجاه تأثر الافرقاء الداخليين ومواجهتهم احتمال اصابة من حولهم  بالوهن وربما التفكك، وخصوصا متى خرجت الازمة من ايدي اللاعبين المحليين وغدوا غير مؤثرين فيها فعلا ومتى بات الافرقاء يتعايشون مع الستاتيكو السياسي على وقع تحقيق مصالحهم من دون مصالح اللبنانيين .
الا ان التوقعات تنحو ايضا في اتجاه الحذر ازاء اي احتمال لتغيير جوهري في قوانين اللعبة السياسية وموازين المعادلة التي ارسيت بين الافرقاء منذ انقسام البلاد بين اكثرية ومعارضة. اذ ان كثيرين يخشون ضغوطا سياسية قوية من اجل ابقاء هذه المعادلة  كما هي، نظرا الى استناد معطيات كثيرة في التعامل  الخارجي والداخلي مع ازمة لبنان عليها بحيث لا يقبل الممسكون بلبنان راهنا، او بالحل فيه، اي تغيير جذري في هذه المعادلة او التسامح مع اي عملية لقلبها بسبب احتمال ان يؤدي ذلك من خلط للاوراق محليا واقليميا. وثمة من يتخوف ان يؤدي ايضا من  محاذير ابعد من الضغوط السياسية ترخي بثقلها على الوضع ويخشى معها ان يؤدي اي خروج عليه الى تفجير الاوضاع برمتها . والدلائل المؤشرة الى ذلك اكثر من ان تعد.


لهذه الاسباب قد لا تتضح الانعكاسات المباشرة لحركة المر في المدى المنظور. وعلى اهمية الدلالة التي تكتسبها بالنسبة الى ترسيخ الانتخابات الرئاسية كأولوية لا يعلى عليها وتسجيلها نقطة ضد المعارضة في هذا الاطار، فان مفاعيلها السياسية الكاملة ستكون برسم المستقبل البعيد والمتصل بالمشهد السياسي المسيحي عموما. وهي لن تكون مفاعيل قريبة او فورية، وخصوصا ان الازمة تخطت موضوع الرئاسة الى مصاف التسوية السياسية الشاملة في ضوء الشروط التي تضعها المعارضة، اي الاتفاق المسبق على الحكومة وقانون الانتخاب وما يتضمنه كل من هذين الشرطين من تفاصيل، ثم في ضوء تصعيد الاكثرية بدورها الازمة الى مصاف حتمية التسوية السياسية مع سوريا والعلاقات بين الدولتين، وليس اقل من ذلك.

المصدر:
النهار

خبر عاجل