هَزُلَتْ
عوني الكعكي
…. ليس مستغرباً أن يصعق اللبنانيون من المفاجأة عندما يسمعون ان المعارضة بعدما أوصلت البلاد الى أصعب المواقع وأخطرها تقوم بتقزيم كل شيء، وتختصر الأزمة كلها بقانون انتخاب عام 1960.
سخرية ما بعدها سخرية إطلاقاً، ما يستوجب طرح عدد من التساؤلات إذا كان فعلاً هذا مطلبها، وليس الامر مناورة لاستهلاك الوقت:
.. لماذا احتلت المعارضة وسط بيروت التجاري، وهو المنطقة الأهم استثمارياً وسياحياً، وزرعت الخيم، ما تسبب بأزمات معيشية واقتصادية لمئات، بل لآلاف العائلات، إضافة الى ان هذه الخطوة ارتدت سلباً على كل شيء في البلاد؟
.. لماذا استقال وزراء المعارضة من الحكومة؟
.. لماذا قامت المعارضة بتعطيل مجلس النواب، ومنعت انتخاب رئيس للجمهورية؟
.. أين مسألة الإصرار على الثلث المعطل في الحكومة؟
.. أين الثلاث عشرات؟
.. أين الإ صرار على تسلم الحقائب الوزارية السيادية أو بعضها؟
.. ولماذا كان هذا الضجيج الذي سمم البلاد بحجة المشاركة في الحكم؟
.. وأين.. وكيف.. ولماذا كل شروط المعارضة التعجيزية ومطالبها.. وتعطيلها البلاد ومؤسساتها؟
.. هل المسألة فقط تختصر بأن أزمة المعارضة كانت قانون انتخاب عام 1960؟
.. إنها سخرية… وقد هَزُلَتْ فعلاً، ما يستدعي أيضاً السؤال عن هذه المعارضة وماهيتها وتركيبتها.
ولكن مع ذلك، هل نستطيع أن نصدق ان همّ هذه المعارضة الوحيد أصبح قانون الانتخاب، وكل القوانين التي أجريت الانتخابات بموجبها في أعوام 92 – و96 و2000 و2005 كانت سيئة، وفجأة اكتشفت هذه المعارضة ان قانون الـ1960 هو وحده العادل، وهو الذي يعبّر عن التمثيل الشعبي الحقيقي.
مسكين هذا الشعب، كم من الجرائم ترتكب بحقه وباسمه، وكم من القوانين تفصّل له ويضطر لأن يتبناها من دون أن يكون له رأي فيها؟
لماذا يا ترى لا يتم إجراء استفتاء على أي قانون ليتم إقراره، وعندها من الممكن الجزم بأنه فعلياً يحقق التمثيل الحقيقي؟
.. لماذا لا يتم إجراء استفتاء على القانون الذي وضعته اللجنة المكلفة، والتي كانت برئاسة الوزير السابق فؤاد بطرس، والذي أخذ منها شهوراً من العمل والدرس والتمحيص، وبعد كل هذا الجهد الذي بذلته جاء من يقول لنا عودوا نصف قرن الى الوراء، إذ ان قانون 1960 هو الذي يجب ان يطبّق، وبسحر ساحر يقوم رئيس المجلس النيابي نبيه بري بتبني هذا القانون، ويدعو الى تطبيقه، وما زاد في الطين بلة، ان الرئيس بري ربط حل هذه الأزمة بالموافقة على هذا القانون، ما ترك علامات استفهام كبرى.
ومن السخرية، ان الذي اكتشف هذا القانون السحري هو النائب السابق سليمان فرنجية، وقد طرحه خلال حديثين تلفزيونين، الاول مع الزميل ايلي ناكوزي عبر شاشة العربية، والثاني مع الزميل مارسيل غانم عبر شاشة الـ L.B.C، ويومها قال فرنجية، بأن يجتمع المجلس النيابي وينتخب العماد ميشال سليمان، وبعدها يطرق رئيس المجلس بـ”الشاكوش”، والتعبير لفرنجية، الذي يجهل ايضاً معنى كلمة مطرقة، وتفتتح جلسة أخرى في اليوم عينه لإقرار قانون عام 1960، والعجيب الغريب ان فرنجية، وهو يزعم بأنه خبير بالعمل السياسي، يتبنى قانوناً وضع قبل أن يولد هو شخصياً، ولا نعرف حقيقة ما اذا كان قد قرأه وتمعّن في بنوده؟!.
.. الآن، رئيس مجلس النواب نبيه بري ظهر وكأنه يسير على خطوات فرنجية، مع اننا ندرك تماماً ان الامر ليس بمثل هذه الصورة، ولكن مع ذلك فإن رئيس المجلس النيابي مطالب بالتوضيح، لاننا نربأ به فعلاً ان يظهر وكأنه مغلوب على أمره.
… نعم، لقد هَزُلَتْ، وانها لسخرية ما بعدها سخرية، واذا صدقنا ان المعارضة فجّرت كل هذه الازمات في طول البلاد وعرضها فقط من أجل قانون عام 1960 فإننا سنستغرب حتماً هذا التدني في المستوى السياسي، واما اذا لم نصدّق فاننا نسأل: هل وراء الأكمة ما وراءها يا ترى؟!