الأصيل والوكيل
في مقابلة تلفزيونية مؤخراً صرّح الوزير السابق سليمان فرنجية انه في حال تم انتخاب الرئيس وإقرار قانون الانتخاب لعام 1960 في الوقت عينه فلسوف يضمن موافقة المعارضة عليه، وبالتالي فمن هو الوكيل للمعارضة إذاً؟
عندما أصرّت المعارضة على ان تكون اللقاءات مع موسى هي بين عون والحريري طرحت أسئلة أجوبتها ليست عسيرة على الفهم والتحليل. أولها، لماذا تغيّب الطائفة الشيعية نفسها في لقاء هكذا حيوي وعلى درجة كبيرة من الأهمية ترسم مصير المبادرة العربية رغم ان كل اللبنانيين والعرب والغرب يدركون ان الكتلة الأكبر والحجم الأضخم والوزن الأفعل هو لها؟ الجواب على ذلك ليس صعباً، لأنها تتابع تكتيكها في حصد الربح دون ان تتعرض للخسارة وكما صرّح الرئيس بري انه وراء عباءة البطريرك ثم لم يعد ملتحفاً بها بعدما لم تكن مواقف غبطته تتوافق مع حسابات البيدر الشيعي لذا انتقلت (الورائية) من البطريرك الكنسي إلى بطريرك مدني أو تفويض جنرال ذات شق محدد هو تحقيق النقلات التي تؤمن وتعبّد الطريق أمام المعارضة من خلال ما يحتاجه الجنرال أصلاً فتتقاطع المصالح على خطين: الأول، تأكيد إمكانية السيطرة على منحى المحكمة الدولية وتقييد حركة رئيس جمهورية محتمل غير عون وإبعاد كأس مناقشة سلاح حزب الله والثاني، إبعاد انتخاب رئيس جمهورية قدر الإمكان إلى ان تنتج المتغيّرات ما يسمح للعماد عون ان يعود رئيساً حتى ولو اضطر الأمر إلى استمرار الوضع على ما هو عليه حتى الانتخابات المقبلة حيث ستكون بحسب حسابات الجنرال لصالحه حتماً وذلك لأن كل أصوات الشيعة ستصب معه، وأنصاره معه، وأنصار الآخرين سيضعها على محك القبض وإذا كان برأيه ان المال السعودي سيغدق على الشمال والبقاع وبيروت فإن المال الإيراني سيطفح عن ذلك ولن يكون ذلك بمشقة على ما يمكنه الحصول عليه. والمعارضة قانعة تماماً ان الجنرال واعٍ تماماً لهذا الدور وهو ينفذ الوكالة بشكل كامل لأنها تتوافق تماماً مع نظرته ومصلحته وقد خضع لامتحان في المقابلة الشهيرة مع السيّد في تلفزيونه وأمام جمهوره حيث صرّح جهاراً مما لا يمكنه من بعد التراجع عنه أبداً. وهذا كله شرط ألا ينفرط عقد دولة المر والأرمن مع الجنرال عون وألا يرشح الجنرال ميشال سليمان نفسه أو غيره في جبيل أو بعبدا.
ثاني الأسئلة هو، إذا كانت الطائفة الشيعية التي غيبت نفسها عن مجلس الوزراء كي تسقط عن هذا المجلس شرعيته بحسب المادة الاتفاقية في الطائف فلماذا غيّبت نفسها اليوم عن هذا اللقاء الحيوي، والجواب بطبيعة الحال كي لا يُقال ان هناك مثالثة في الحكم بل مناصفة، أي بين المسلمين والمسيحيين ولكن هذه المعادلة غير واقعية لأن الشيعة لم يعطوا وكالتهم للسنّة كي ينطقوا باسمهم بل أعطوها للمسيحي وبالتالي فالوكالة ليست مندرجة بحسب المناصفة الميثاقية أو الطائف بل هي سياسية، ولهذا، ومن المنطلق عينه، أصرّت الموالاة أن يكون محاور الجنرال عون هو الشيخ أمين لسببين: الأول نزع الصفة الأحادية للتمثيل المسيحي عن الجنرال عون، وثانيها أنه في حال لم يبق شهر العسل مستمراً بين طرفي الورقة، لا يعتبر الشيعة انهم غير متواجدين في حين أن السنّة هناك وبالتالي تعود نغمة تغيب طائفة وإسقاط شرعية العيش المشترك.
والسؤال الثالث، هذا الفتور بين البطريرك ومسيحيي المعارضة الا ينعكس سلباً إذا تطور على قضية سلاح حزب الله أمام المحافل الدولية وتبعاً على العربية: والجواب، ان مواقف البطريرك أساساً ليست ايجابية تجاه قضية سلاح حزب الله، والمعارضة تعتقد جازمة ان البطريرك لا يمكنه ان يذهب بعيداً في مواقف أكثر سلبية تجاه هذا الموضوع لأن سلبيته الفائقة قد تقلب الطاولة على الدور المسيحي وبمعنى آخر، ان الدور المسيحي يُعطى بقدر ما من خلال الجنرال وعلى البطريرك ان يؤمن الغطاء لهذا الدور من خلال مواقفه وإلا فما معنى ان يُعطى للمسيحيين دور أصلاً إذا كان هذا الدور سيكون معادياً للمقاومة.
ان التعليقات على هذه الأسئلة يمكن ان يكون لها دور أيضاً، فالكل يعلم ان حجم الجنرال ومصدر قوته هو المؤسسة العسكرية إذ ليس هو من بيت سياسي وليس هو رئيس حزب سياسي سابق وليس هو ناطق باسم طائفته وليس هو مدعوماً من بلد ما بل على العكس من ذلك فهو بعيد أساساً عن السياسة ولم يدخل في شركة مع أي من الاحزاب وطروحاته علمانية في المبدأ ولم يكن أساساً في مودة مع الاكليروس. وهو يشعر أكثر من أي شخص آخر ان المرشح الرئاسي الحالي أي قائد الجيش ميشال سليمان هو الخصم الأساس لأنه يأخذ من الجنرال ورقته أي المؤسسة العسكرية لذا فلا يمكن ان يقبل به، ولا يمكن في الوقت عينه ان يجاهر برفضه ولكنه سيعمل المستحيل كي لا يأتي وإذا أتى فلسنتين إذ ربما يساعد العمر الجنرال في تبوؤ العرش الرئاسي ولو ليوم واحد.
ان هذه القضية هي نفسية بالنسبة للجنرال وقد عبّر عنها في مقولته: “إذا كان لأحد حبيبة فهل يعطيها لصديقه أو حتى لأخيه؟” الشأن العاطفي يلعب دوراً حيوياً والجنرال ظل في المنفى سنوات يحلم بالعودة إلى القصر فهل يُحرم منه؟
والتعليق الثاني هو موقف حزب الله، فالحزب أساساً قام على المقاومة، وهذا شأن عام لكن الخوف من تغييرات في البيان الوزاري تجعل قرارات الحرب والسلم هي من شأن الحكومة والدولة تجعل الحزب يهتم بالبيان الوزاري أكثر مما يهتم برئيس الجمهورية، وعليه، فليست المشكلة في الرئاسة بالنسبة إليه بل الحكومة في حين ان الحكومة ليست المشكلة بالنسبة لعون بل الرئاسة، ومن أجل تقاطع المشكلتين توضع قضية الحكومة في موازاة الرئاسة وبما ان الموالاة تدرك ذلك فإن عدم حل قضية الوزارة تعني حكماً انعدام حل قرار الرئاسة وفي حال قررت الموالاة الموافقة على الوزارة كما تريدها المعارضة فهي تكون قد تحجمت في عدة أمور أولها البيان الوزاري الذي تصرّ المعارضة على إبقائه كما هو مما يخص سلاح حزب الله وثانيها عدم إمكانية السير قُدماً في المحكمة الدولية لانتفاء القرار الأكثري في مجلس الوزراء وثالثها، دفع رئيس الجمهورية حكماً كي يكون نسخة مطابقة لما كان عليه لحود. اما في حال قررت الموالاة إعطاء رئاسة الجمهورية للجنرال عون شرط أخذ الأكثرية الوزارية فإن هذا سيجعل عون يوافق في حين ان المعارضة ترفض ذلك إلا إذا ضمنت ترجيح الرئيس في القرارات المصيرية.
الجنرال الذي يخوض حرباً سياسية بالوكالة يشعر أنه جنرال حرب لكن الزمن قد لا يكون لمصلحته، ولعبة الزمن هي من استراتيجيات دول الممانعة دوماً لكن عادة يقوم بها من تسمح لهم أعمارهم بذلك والجنرال لم يعد يمكنه ان يغامر بهكذا رهان. والوكالة التي أعطته إياها المعارضة هي وكالة حصرية به. وليس أكيداً إن غيره يمكن ان يحصل عليها لأن الوكالة ليست للتيار الوطني الحر بل للجنرال شخصياً. كما إن الأصيل الذي يعيّن الوكيل يمكنه في أية لحظة ان يلغي وكالة أو يغيّر في مضامينها ومساحاتها في حين ان الوكيل لا يمكنه ان يتجاوز الأصيل بل يسعى دوماً لتحقيق إرادة موكله.
لقد كان وقت في لبنان ألغى فيه الرئيس الشهيد رفيق الحريري الوكالات الحصرية كي تكون حرية المنافسة كبيرة وكي لا يكون هناك احتكار، فهل تلغى الوكالات الحصرية السياسية كي تعود المنافسة السياسية بما يتناسب مع الديموقراطية التعددية في لبنان أم تشتد الوكالات الحصرية لتتجابه وتكون النتيجة ان الشعب اللبناني يدفع الثمن بالوكالة عن الموكلين الذين كلما ارتفع سعر برميل النفط ازدادت إمكاناتهم بتوزيع الوكالات.