Site icon Lebanese Forces Official Website

الوفـرة والقلـق

الوفـرة والقلـق

مروان اسكندر

 

هناك بضعة مؤشرات تحدث عنها حاكم مصرف لبنان ووزير المال تبعث على الاطمئنان، منها على سبيل المثال:
– ارتفاع الدخل القومي بنسبة 2 في المئة.
– تأمين القدرة على اعادة جدولة الديون التي تستحق على الدولة عام 2008.
– ارتفاع ميزانية القطاع المصرفي الى أكثر من 82 مليار دولار.
– توافر فائض على حساب ميزان المدفوعات بلغ مليارين و 306 ملايين دولار.
– انخفاض نسبة العجز في الموازنة عما كان مقدرا.
– تحسين تصنيف احدى مؤسسات التصنيف الكبرى لوضع لبنان كبلد مدين.
– ارتفاع ربحية القطاع المصرفي بنسبة 15 في المئة عن عام 2006.


هذه المؤشرات مجتمعة يجب ان تدفع المراقب الى مقدار من التفاؤل بان البلد مستقر اقتصاديا وعلى بعض التحسن.
في المقابل، ثمة مؤشرات عدة تدعو الى التخوف من الوضع الاقتصادي خلال الاشهر التسعة المتبقية من هذه السنة. اهم هذه المؤشرات الانفصام في آلية الحكم الى حد يجعل المراقب الوافد من الخارج يعتبر أنه يشهد مسرحية اللامعقول سياسياً.


بالتأكيد، لدينا حكومة شرعية بموجب الدستور اللبناني وبالاعتراف العربي والدولي، لكن هذه الحكومة عاجزة عن اتخاذ أي قرار حيوي من دون استثارة اعتراضات قد تؤدي الى تحرك حزبي، فئوي أو شارعي، وعندئذ تنقلب صورة الهدوء المطمئن نسبيا الى ابشع من ذلك بكثير.


ولنعطِ مثالين واضحين:


يطالب الاتحاد العمالي العام بتعديل الاجور وزيادة الحد الادنى للأجر الى مستوى 960 الف ليرة لبنانية شهرياً.  ويطالب الصناعيون باعتماد معايير للإنتاجية، وتسهيل عمليات الانتاج، وخفض تكاليف الطاقة ومعاملات الاستيراد والتصدير، وإزالة شبح الاعتداءات على الاملاك الخاصة كشروط أساسية للنظر في تعديلات الاجور.
واذا افترضنا ان توافقا عجائبيا سيحل علينا، فكيف لنا ان ننفذ أي مرسوم بزيادة الاجور يفترض ان يقره مجلس النواب؟
كذلك الامر بالنسبة الى مجلس النواب، فهو أيضاً شرعي لكنه معطّل عن الاشتراع.
والسؤال يطرح: لماذا يستمر النواب نواباً؟ وموازنة المجلس تستمر موقوفة؟  وهل من الضروري زيادة رواتب النواب الكرام شرطاً لاجتماعهم لإقرار زيادة الرواتب والأجور؟


بكل احترام للسادة النواب وقيادتهم، بات الوضع يدعو الى السخرية والتعجب من مقدار الاستخفاف بعقول الناس وحاجاتهم.


ولنفترض أيضاً ان قائد الجيش، الذي تصرف حتى تاريخه على مستوى من المسؤولية الوطنية وحافظ على كرامته الشخصية، يصر على التقاعد في 21 آب، وقد لا يكون مجلس النواب قد انعقد لانتخاب رئيس، فكيف للحكومة ان تقر تعيين قائد جديد للجيش.  وإن هي لم تتمكن من هذا الاختيار وتنفيذه، وأصر العماد ميشال سليمان على التقاعد، هل يؤدي الفراغ في قيادة الجيش الى تفكك المؤسسة الحكومية الوحيدة التي حافظت على استقرار الاوضاع وأنقذت لبنان من خطر التفكك المذهبي الذي هدف اليه ارهابيو “فتح الاسلام”.
اسئلة جوهرية لا بد من طرحها على السادة النواب وعلى مختلف الأفرقاء.


واذا افترضنا جدلاً ان أصحاب عقار في وسط بيروت كان مهيأ للتطوير وأعاق المعتصمون اعمال بنائه أشهراً، طلبوا من المحاكم اصدار احكام اخلاء وصدرت هذه الاحكام، فهل من سلطة تنفيذية أو امنية في لبنان تنفذ الحكم؟  واذا كان هناك تقاعس في التنفيذ وكان أصحاب الاملاك من المستثمرين العرب، فكيف لنا ان نستمر في دعوة المستثمرين الى الاقبال على لبنان؟  بل كيف لنا ان نطلب المعونات من الدول الصديقة.
وبعيدا من التنظير، وإن يكن واقعياً، لو كنا نعيش في بلد تحترم سلطاته ادوارها وتعنى بشؤون المواطنين، لكنا سننظر الى امور مرتقبة لا بد واقعة شئنا أم ابينا.


ان أزمة الكهرباء قائمة بل ستتوسع لأن كلفة المحروقات، على مستوى التكاليف الناتجة من ارتفاع اسعار النفط، لا يستطيع لبنان ان يتحملها. فالعجز في مؤسسة الكهرباء، مع سعر يتجاوز الـ 100 دولار لبرميل النفط الخام، سيتراوح بين 1600 و 1800 مليون دولار، وهذا الرقم يفوق قدرة البلد على التسليف او دعم استهلاك الكهرباء.
كما ان تأخير عمليات تخصيص الهاتف الخليوي نتيجة عدم انعقاد مجلس النواب من جهة، وادعاءات اتهامية غير محقة من جهة اخرى، لن يمكّن  لبنان من مواجهة استحقاقات ديونه سنة 2009، وسوف تؤدي المخاوف الى انهيارات مالية قبل ذلك التاريخ.


وما يصح بالنسبة الى تخصيص الهاتف، يصح ايضاً بالنسبة الى عمليات توليد الكهرباء وتوزيعها.  فمشروع التخصيص هذا معروض منذ عام 1996 من دون أي تقدم على هذا الصعيد، بل العكس هو الصحيح.


بعد ذلك، وعلى رغم المؤشرات الايجابية التي توافرت وأشرنا اليها اعلاه، يبدو أن علينا ان نستفيق كل يوم كأننا نتوقع الشر المستطير.  ومع نفسية كهذه، لا مجال للنمو والتطور.  فهل يستفيق النواب والوزراء على واجباتهم حيال الوطن ويقومون وإن بجزء مما هو مطلوب منهم، كي نستطيع التطلع الى مستقبل افضل ولو بعد حين؟
Exit mobile version