#adsense

“برّي “السلطة والساحة” والسنيورة “الدولة والوطن

حجم الخط

الأول يتحرّك للالتفاف على مسؤوليّة النظام السوريّ والثاني لتأكيدها..
والإجماعات الوطنية هي الفيصل

برّي “السلطة والساحة” والسنيورة “الدولة والوطن”

نصير الأسعد

 

تحرّكان عربيان متوازيان لا يلتقيان لكل من رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة، يملآن “الوقت الضائع” على غير صعيد.


بريّ “الوسيط” بين النظام السوري والعرب
ينطلقُ الرئيس بري في تحرّكه مِن محاولة تصوير انّ الأزمة في لبنان إنما هي أزمة لبنانية ـ لبنانية، لا دخل للنظام السوري فيها، ويعتبر انّ حصول تقارب عربي ـ سوري، وسعودي ـ سوري بالتحديد يمكن أن يشكّل عاملاً مساعداً على حلّها. ولذلك، يبدو بري في تحرّكه أشبه ما يكون بـ”وسيط” بين النظام السوري والدول العربية الرئيسية.


السنيورة: الأزمة سورية والعرب عامل ضغط


أمّا الرئيس السنيورة، فلتحرّكه منطلقٌ مختلف. فهو يرى ـ كما معظم اللبنانيين ـ انّ الأزمة في لبنان لبنانية ـ سورية أي ناجمة عن تدخل النظام السوري، ويلاقي ما انتهى اليه العرب بأكثريتهم لجهة إعتبار انّ دور النظام السوري في لبنان هو مصدر الأزمة التي تعصف بالبلد وتهدّد أمنه وإستقراره بل تهدّد أمن المنطقة وإستقرارها. ويشدّد السنيورة على انّ وقف التدخل السوري هو المدخل إلى الحلّ في لبنان، وهذا ما استنتجه قادة الدول العربية الرئيسية بناءً على تجربة “المبادرات” المختلفة وآخرها المبادرة العربية.


ويحاول بري الايحاء بأن ثمّة إيجابية لدى النظام في سوريا، وانّه “وثّق” هذه الإيجابية مع رئيس هذا النظام بشار الأسد عندما التقاه مؤخراً حيث أبلغه الأسد انّ “دمشق تلتزم يما يلتزم به اللبنانيون”.


النظام السوري يراهن ويسترهن


أمّا السنيورة فيعرف ـ من غير أن يقول علناً ما يعرفه ـ انّ هذا النظام الذي قتل الرئيس الشهيد رفيق الحريري قبل إنسحاب جيشه من دون مخابراته، والذي واصل القتل خلال السنوات الثلاث الماضية وصدّر كل أنواع الإرهاب الى لبنان، ليس في وارد تسهيل حياة لبنان المستقلّ واستقراره. ويعرف رئيس الحكومة انّ نظام الأسد يراهنُ على صفقة تأتي مع إدارة أميركية جديدة بعد الانتخابات الرئاسية الخريف المقبل. ويسترهن لبنان لمفاوضات حول صفقة افتراضية.. لن تأتي. ولذلك، يعتبر منطقياً انّ الضغط على النظام السوري هو المطلوب لجعله يقلع عن لعبة الوقت وعن التعطيل في لبنان.
وإذا كان ما تقدّم يشكّل مقاربةً للفوارق الجوهرية بين تحرّك بري من جهة وتحرّك السنيورة من جهة أخرى، فهو ـ أي ما تقدّم ـ لا يختصر الفوارق كلها.


رئيس الحكومة يستحضر الإجماعات وبري يغيبها


ففي حين يبدو واضحاً انّ بري يتصرّف على أساس أن لا إجماعات ملزمة في البلد، أي على أساس انّ بلداً بلا إجماعات بحاجة إلى ما يشبه “إعادة التأسيس”، فانّ السنيورة ينطقُ في تحرّكه باسم الإجماعات الوطنية.
ثمّة إجماعات في لبنان. فاتفاق الطائف هو مرجعية إجماع. وفيه تحديدٌ دقيق للقواعد التي تقوم عليها العلاقات اللبنانية ـ اللبنانية ولأسس الشراكة الوطنية. وفيه تحديد دقيق لعلاقة لبنان بالصراع العربي ـ الإسرائيلي عبر تأكيده على اتفاقية الهدنة وتشديده عليها. وفيه تحديدٌ لعروبة لبنان ولعلاقاته بسوريا.


ومقرّرات الحوار الوطني للعام 2006 هي مرجعية إجماع أيضاً. وفيها تفصيلٌ لقواعد العلاقة اللبنانية ـ السورية وللأسس التي ينبغي أن تستند إليها العلاقات بين دولتين مستقلتين متساويتين، من العلاقات الديبلوماسية على مستوى السفارات وتحديد الحدود بين البلدين وترسيمها لا سيما منطقة مزارع شبعا إلى السلاح المسمّى فلسطينياً خارج المخيمات وضرورة إلغائه في موازاة تنظيم السلاح داخل المخيمات كخطوة نحو حوار لبناني ـ فلسطيني بشأنه، إلى منع تهريب السلاح و”المسلّحين” عبر الحدود.


والقرار الدولي 1701 هو مرجعية إجماع، إذ وافق لبنان عليه بإجماع الحكومة في آب 2006. وإذ استند في مندرجاته إلى مرجعية الإجماع الرئيسية أي الطائف، فانّ القرار 1701 مع الطائف يحسمان الجدل حول ما يُسمّى “الإستراتيجية الدفاعية” فضلاً عن كونِه شكّل بنصوصه تطويراً لاتفاقية الهدنة نفسها.


إجماعات لـ”الدولة”


إذاً، ثمّة إجماعات. إذاً ثمّة بلدٌ يستطيع الاستناد إلى إجماعات حاصلة. وبالمناسبة، فانّ تلك الإجماعات هي مرجعيات ملزمة لـ”الدولة” أيّاً تكن الحكومة، أي أيّاً تكن السلطة السياسية. وبهذا المعنى، فانّ الرئيس السنيورة عندما توجّه إلى القادة العرب في كلمته عشيّة قمّة دمشق ثم عندما بدأ جولته العربية مطالباً بإجتماع عربي يضع يده على مشكلة التدخل السوري في لبنان، إنّما انطلق من هذه الإجماعات.


في البلد إجماعاتٌ “يجب” العودة إليها كأساس للحل السياسي. وتصرّف بري والأقلية وكأنّما البلد بلا إجماعات، وفي مقدمها الإجماع على توسيع صلاحيات لجنة التحقيق الدولية وعلى قيام محكمة ذات طابع دولي، انّما هو ـ التصرّف ـ منسجم مع جهدَي بري والأقلية لنفي مسؤولية النظام السوري عن الأزمة بدءاً بمسؤوليته عن تعطيل تنفيذ إجماعات 2006، ولا يخفي محاولة “تستير” هدف الإنقضاض على السلطة بادعاء “الخلاف” على كل شيء.


إنقلاب الأقلية على الإجماعات لتبرير الإنقلاب على السلطة


إن إعادة الإعتبار للإجماعات الوطنية من جانب 14 آذار في هذه المرحلة، تهدفُ إلى إبراز عدد من الحقائق.
الحقيقة الأولى هي انّ التمسّك بالإجماعات من جانب 14 آذار هو بهدف تحصين “الوطن” و”الدولة” وحمايتهما، فيما يهدف التنصّل منها من جانب الأقلية إلى السير في خطّة للفراغ الدائم وتبرير الإنفراد في السياسات الوطنية.
والحقيقة الثانية هي انّ إنقلاب الأقلية على الإجماعات هو لـ”تبرير” الإنقلاب على السلطة، المتواصل منذ خريف 2006.
والحقيقة الثالثة هي انّ الصراع هو بين مشروع للدولة تحمله 14 آذار و”مشروع سلطة” تحملُه الأقلية.
والحقيقة الرابعة هي انّ الحوار ـ التشاور ـ الذي دعا إليه بري انّما هو محاولة لـ”تقطيع الوقت وللظهور بمظهر حركية 7-7-أو نشاطية معينة لكن بدون جدوى ولتصوير الأمر وكأنه صراع على السلطة بين فريقين فيما هو كذلك من جانب واحد، أي من جانب الأقلية المسمّاة “معارضة”.


14 آذار لن تستدرج


أمّا الحقيقة الخامسة، فهي انّ 14 آذار غير مستعدة لمجاراة توجه بري و”المعارضة”، فيما تصرخ “أعطونا البلد والدولة” أولاً على قواعد أهمّها الإجماعات المشار إليها، وتقول انّ المشكلة ليست مشكلة شراكة كما تدّعي الأقلية بل مشكلة إنقلاب على الإجماعات وعلى السلطة. فلو كانت هذه الأقلية ملتزمةً بالفعل بالإجماعات وبتنفيذها، لماذا تصرّ على “الثلث المعطّل” وعلى تعريف الشراكة ـ أو المشاركة ـ بـ”الثلث المعطّل” خلافاً لميثاق الإجماع أي الطائف؟. ولماذا ربطُ إنطلاقة المؤسسات الدستورية بدءاً بإنتخاب رئيس الجمهورية بسلسلة من الشروط، فما علاقة إنتخاب الرئيس بـ”قانون 1960″ علماً أن لا علاقة “مباشرة” بين الأمرين؟.


وفي هذه الحقيقة الخامسة انّ الأقلية تستقوي بالتدخّل السوري للتعطيل. ولن تُستدرج الأكثرية إلى “المكان” الذي يريدُه بري، تأكيداً منها على انّ التصرّف الجدّي ينبغي أن يكون التأكيد على الإجماعات اللبنانية وعلى أن تكون هذه الإجماعات برنامجاً للدولة أو “إستراتيجية” لها.


لذلك فبين تحرّك الرئيس بري وتحرّك الرئيس السنيورة علاقةٌ من نوع “الشرق شرقُ والغربُ غربٌ ولا يلتقيان”!.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل