الجميل: لإعادة وصل ما انقطع بين الامس واليوم بين اللبنانيين والفلسطينيين ولا سيادة تعلو سيادة الدولةأقام حزب “الكتائب اللبنانية” ندوة سياسية في ذكرى 13 نيسان في البيت المركزي في الصيفي، واستهل الرئيس أمين الجميل الحديث بسرد تاريخي لبيت الكتائب الذي شهد لمراحل عديدة من تاريخ لبنان، فيشهد الآن لهذا اللقاء الذي يجمع ما بين خصوم الأمس على الامل والرجاء.
وقال: “من خارج السياسة المتصلة بلعبة السلطة، ومن خارج السياسة التي معناها الشطارة، والدهاء، والمكيافيلية. التي اذا جازت لبلد، او لزمن، فهي لا تجوز للبنان. البلد البالغ الرقة، في أي زمن. فمن عمق المآساة التي عشناها معا، ولو من مواقع متباينة، اخاطبكم، بل من خلال تلك المشاهد التي انطبعت في زوايا هذا البيت وجنباته، وانطبعت في ذهني انا ايضا الى مدى الحياة”.
أضاف: “كيف انسى ذلك العزيز او ذاك من رفاق الدرب والعمر، وبعمر الورود احيانا، يهرول مسرعا الى ساح الوغى ليعود الينا بعد حين محملا على خشبة؟ ولم تكن الحرب دائما قتالا وشهادات، بل افعال قتل وثأر، وفوقها الاغتيالات السياسية وغير السياسية. ومن العائلات اللبنانية من هي في حداد متواصل منذ سنين. أجل، انا ومن سلم من عائلتي في حداد دائم منذ العام 1976 حتى الامس القريب، حدادا على أمين اسود ثم على مايا ثم على مانويل، ثم على بشير، ثم على بيار. وكذلك حداد “الوليد”، وليد جنبلاط، على الوالد والعمة وغيرهما. بل من منكم في الحركة الوطنية وفي المنظمات الفلسطينية، ليس في حداد على أخ او أخت أو والد او ابن او صديق”؟
وسأل الجميل: “فمتى نفك الحداد؟ او متى يتوقف الموت؟ نريد ان نعيش طبعا في سلام، ولكن نريد ايضا ان يضحك اولادنا للحياة وان تضحك ايضا لهم الحياة”.
أضاف: “من عمق هذه المأساة كانت الدعوة الى هذا اللقاء بين خصوم الامس والزمن الرديء، من لبنانيين وفلسطينيين. وهو في الحقيقة ليس الاول، ولن يكون الاخير. فلظاهرة 14 آذار جذور تضرب في عمق الازمة اللبنانية، محاولات متتالية لتكون ارادة وطنية متعافية: من لقاء كمال جنبلاط وبشير الجميل الذي عجّل في اغتيالهما الواحد بعد الآخر، الى ورقة المختارة بيني وبين الصديق وليد جنبلاط ، الى مصالحة الجبل الذي رأى اليها الحكم القائم آنذاك محاولة انقلاب يجب ان تخنق في المهد، الى يوم 14 شباط، يوم الغضبة المهولة على اغتيال شخص الرئيس رفيق الحريري وعزمه على الحد من التلاعب بحرية هذا البلد. هذا كله يشكل مشروعا واحدا، عنوانه: لبنان اولا، السيد المستقل، والدولة المدنية والحديثة”.
وتابع الجميل: “بالنسبة للنزاع بيننا وبين الفلسطينيين، اكتفي بهذا المثل: انا نفسي كنت مقاتلا على كل الجبهات من الساحل، الى اعالي صنين، الا انني لم اشأ ابان حصار بيروت في 1982، بل ابان ذلك الجحيم الا ان اقصد ابو عمار في ملجأه تحت الارض بثلاث طبقات، مخترقا سلسلة من الحواجز الاسرائيلية وغير الاسرائيلية لاقول له بضع كلمات فقط تختصر مأساتنا المشتركة في كل ابعادها. هذا مع العلم بان التواصل مع الجانب الفلسطيني لم ينقطع يوما على رغم حدة القتال وضراوته. واشهد على ذلك. ولأبو اياد، رحمه الله، شهادة مماثلة خطية، ما زلت احتفظ بها وثيقة من الوثائق التاريخية التي تشهد للوجه الآخر من المأساة اللبنانية الفلسطينية”.
وقال: “غالبا ما أسائل نفسي: هل كان ثمة سبيل للحؤول دون انفجار ذلك النزاع الرهيب بيننا، لبنانيين وفلسطينيين، ولم نسلكه؟ اجل، ما زلت اسائل نفسي على هذه الصورة حتى هذه اللحظة. لقد كان هائلا ما حدث. فنقول: قد كان أشبه بالقدر، لا مهرب منه، ولا مفر: مثل اي كارثة من الكوارث الطبيعية. أمران فقط، هما في النهاية واحد، يفسران تلك الكارثة. الاول، هو ان الشعوب لا تتعلم من التاريخ، بل في التاريخ، اي في التجارب المرة لا من خلال ما يكتب ويروى عن تجارب الامس وحروبه ومآسيه. الثاني، هو التورط في بدعة التأليف والتوفيق بين منطق الدولة ومنطق الثورة التي لم يسبق ان جربها لبنان، كالقول، مثلا ، بـ”السماح للفلسطينيين المقيمين في لبنان، بالمشاركة في الثورة الفلسطينية من خلال الكفاح المسلح ضمن سيادة لبنان وسلامته”، كما جاء في اتفاق 1969، اتفاق القاهرة، المليء بالتناقضات المماثلة”.
وأشار الجميل إلى أن ما حدث لاحقا، مرده الى الاسباب عينها التي حددها الاعلان الفلسطيني، “اعلان فلسطين من لبنان”، فأبدع في توصيفها، وفي “الاعتراف بثقلها على لبنان وعلى دولته واقتصاده واجتماعه الانساني وصيغة عيشه”، وأبدع ايضا وخصوصا في مقاربته للمصالحة، المصالحة الحقيقية، حيث الصفح المتبادل مقرونا بالاعتراف المتبادل بالخطأ او بالذنب او بالاساءة. كان رائعا في “الاعتذار” من لبنان واهله، اعتذارا هو في منتهى الاباء، وبلا مقابل. فكيف لا نقابل هذا التعالي عن الجراح بمثله، باعادة وصل ما انقطع بين الامس واليوم، واعتبار ما وقع بينهما امتحانا فقط للعلاقة بين الشعبين ولو قاسيا؟
وقال: “لا يسعنا، في هذه الحال، الا ان نرى الى الوجود الفلسطيني في لبنان بعين اخرى. طالما انه يضع نفسه تحت حكم القانون اللبناني، وسيادة الدولة على كل اراضيها كما على كل المقيمين عليها من لبنانيين وفلسطينيين. او طالما ان الفلسطينيين لا يريدون سلاحا او ما يشبه السلاح، ولا يعترفون الا بسلاح الدولة والشرعية، او لا يطمئنون الا الى هذا السلاح. او طالما انهم “لا يريدون الا ان يعيشوا بكرامة”. وهذا كله يتلاقى، طبعا، مع مصلحة لبنان وسلامته ومسؤوليته عن نفسه كما كل بلد سيد وحرّ ومستقل. بل هذا يجعل من الدولة الفلسطينية مطلبا لبنانيا، لا فلسطينيا فقط، بل قضية من القضايا اللبنانية، الاساسية، التي يجب ان يعمل لها اللبنانيون والفلسطينيون معا. وبهذا المعنى نقول “لا للتوطين” ونقرن القول بالفعل والعمل المشترك”.
أضاف: “نحن معنيون باحوال اللجوء الفلسطيني الى لبنان. فلا يسعنا الا ان نسأل عن المرجعية الفلسطينية، ولماذا يتأخر الاعتراف بالمرجعية الواحدة، او التأكيد عليها، او الارتقاء بها من مستوى ممثلية الى مستوى سفارة وبعثة تمثل السلطة الوطنية الفلسطينية القائمة على الاراضي الفلسطينية؟ وفي اختصار، ان نظرية ابقاء اللاجئين في بؤسهم تحريضا على التمسك بحق العودة نظرية فاشلة وبائسة. الا ان هذا كله يقتضي ان يكون لبنان دولة سيدة على الاراضي اللبنانية كما على جميع المقيمين فوقها من لبنانيين وغير لبنانيين، ومن مؤسسات عامة وخاصة، ومن طوائف خصوصا وفي المقام الاول. فلا سيادة تعلو سيادة الدولة، وبخاصة تلك التي يدعيها بعض الطوائف ولو في السرّ، او من خلال الشروط التي يضعها مقابل اعادة ما للدولة للدولة”.
وأشار إلى أنه لم تحدث هذه المساومة لدى الاتفاق على دولة الاستقلال في الاربعينات من القرن الماضي، ولا وضع أحد شرطا مسبقا، من مثل تعديل الدستور، او اعادة النظر في الحصص في السلطة، ولا كان تعليق للدستور او تأجيل للانتخابات التشريعية والرئاسية، ولا كانت هناك سلة من المطالب المسبقة، ولا كان مصادفة او من قبيل المجاملة، او التسوية العابرة، ما تم التعاقد عليه، ضمنا وكتابة، في الميثاق الوطني، وهو الاستقلال الكامل عن الشرق والغرب، او عن ضفتي المتوسط، الشرقية والغربية، ولكن على تواصل دائم معهما وبينهما، وهذا هو الحياد، الايجابي، ما اتاح للبنان الخروج من دوامة الصراعات الاقليمية والدولية، وان يكون رائدا في نصرة القضايا العربية، وفي طليعتها قضية فلسطين.
وقال: “لقد اردنا هذا اللقاء، وفي ذكرى 13 نيسان، لقاء مصارحة ومنطلقا لمصالحة لبنانية ـ فلسطينية، حقيقية، تدعم المصالحة اللبنانية ـ اللبنانية، وترفدها بمثل ما كان في الرد على التحدي الذي جسدته تجربة مخيم نهر البارد. كان الموقف الفلسطيني، على هذا الصعيد، موقفا في منتهى الشجاعة والشعور بالمسؤولية. وكان موقف لبنان وجيشه البطل الموقف المثال في التعبير عن الارادة اللبنانية، دفاعا عن السيادة والاستقلال، وعن القضية الفلسطينية في آن واحد. فلتكن هذه التجربة نموذجا للتعاون على رفع الضيم عن الشعبين وللتأكيد على حقهما في الحياة”.