في هرطقات “المعارضة” حول الديموقراطية التوافقية
والإجماع والثلث المعطّل والشراكة.. وقانون 1960
والإجماع والثلث المعطّل والشراكة.. وقانون 1960
الطائف وحكمُ الأكثرية ومشاركة “المجتمع المدني”.. و”قانون فؤاد بطرس”
نصير الأسعد
سنتان تقريباً مرّتا على اندلاع الأزمة في لبنان. وخلال هذه الأزمة المستمرة إستمع اللبنانيون من الأقلية الى كمّ هائل من المواقف التي يتمّ تنسيبها الى اتفاق الطائف والدستور، فيما هذه المواقف تمعن فتكاً بالطائف ودكّاً لـ”بنيانه”.
حكومة الوفاق الوطني: المناصفة الإسلامية ـ المسيحية
حكومة الوفاق الوطني: المناصفة الإسلامية ـ المسيحية
فمرة أخرى، عندما يتحدّث الطائف عن “حكومة الوفاق الوطني” فهو يعني حكومة الشراكة المتساوية بين المسلمين والمسيحيين، أي الحكومة العاكسة للعيش المشترك والمشكّلة على قاعدة المناصفة بين المسلمين والمسيحيين. وعلى أي حال، وعلى افتراض أن “حكومة الوفاق الوطني” بهذا المعنى الميثاقي تعني “حكومة الوحدة الوطنية” بمعناها “السياسي”، فإنها تكون متحقّقة بمجرّد أن تتشكّل من فريقَين سياسيَين أو من عدة أفرقاء سياسيين.
بكلام آخر، لا تُعرّف “حكومة الوحدة الوطنية” بالمعنى “الميثاقي” بـ”حكومة الوحدة الوطنية” بالمعنى “السياسي”. وحتى لو كانت “حكومة الوحدة الوطنية” السياسية هي المطلوب تشكيلها في ظرف من الظروف، فإن القاعدة الوحيدة التي يُفترض الالتزام بها هي قاعدة المناصفة الإسلامية ـ المسيحية، وليس هناك شروطٌ “رقميّة” أخرى من النوع الذي تطالب به الأقلية المسمّاة “معارضة” أي “الثلث المعطّل”.
ينصّ الطائف ـ والدستور ـ على العناوين الرئيسية التي يحتاج إقرارها في مجلس الوزراء إلى الثلثين، و”الحكمة” من وراء ذلك هي أن لا يتمكن أي من “الفريقين” المسلم والمسيحي من اتخاذ القرار بمفرده في العناوين الرئيسية المحدّدة نصاً في الطائف والدستور. وذلك للتأكيد على الشراكة الوطنية وليس من باب إعطاء حقّ “اليتو” لأي من الفريقين. ولهذا السبب يتحدّث الطائف والدستور عن “التصويت” سواء في القرارات التي تحتاج الى الثلثين أو في القرارات التي تحتاج الى الأكثرية العادية.
الهرطقة “المعارِضة”
إذاً، ليس في الطائف ودستوره نصّ على ما يُسمى “الديموقراطية التوافقية” أو ما يُسمى “الإجماع”. و”الحكمة” هنا هي أن لا وجود لـ”شيء” إسمه “الإجماع” في أي أمر من الأمور. بيدَ أن “الحكمة الأكبر” تكمنُ في حقيقة أن اتفاق الطائف لو نظر إليه نظرةً مستقبلية أو بأفق مستقبلي، إنما يحثّ عبر نصوصه، بما في ذلك ما تمّت الإشارة إليه آنفاً على إنطلاق ديناميات وطنية أي ديناميات تَشكّل كتل مختلطة من كل الطوائف. وبمعنى آخر، فإن تلك الديناميات التي قُمعت زمن الوصاية السورية ولا تزال “محجوزة” حتى اليوم، يُفترض “يوماً ما” أن تؤدي الى تشكّل أكثرية “مختلطة” تحكم وأقلية “مختلطة” لا تحكم. وعندئذ تشكّل الأكثرية حكومتها وتكون حكومة وفاق وطني حتى لو كان الائتلاف الأكثري يضمّ أقلية التمثيل السياسي في طائفة من الطوائف.
المشاركة ليست حقاً حصرياً لقوى التمثيل السياسي للطوائف
ومن هنا، فإن ما ينبغي أن يكون واضحاً هو أن الطائف لا يربط المشاركة في “سلطة المشاركة” أي في مجلس الوزراء بقوى التمثيل السياسي للطوائف إلزامياً، أي لا يحظر انضمام وزراء من طائفة معيّنة إن لم يكونوا من قوّة تمثيل أكثرية في طائفتها، ولا يشترط انتماء الوزير من إحدى الطوائف بفريق تمثيل سياسي بالضرورة. ذلك أن الأكثرية النيابية المنبثقة من صناديق الاقتراع هي التي يجب أن تحكُم والحكم لا يمكن أن يُعطّل، والحكم ليس “تلزيقاً” لمكوّنات الى جانب بعضها البعض. ولذلك فإن الثلثين والثلث في الحالات المحدّدة ميثاقاً ودستوراً يطبّقان في حالة حكم “منسجم” سياسياً، ويكتسبان معناهما الواضح و”الأصلي”، فلا يؤتى الى الحكومة بفريق سياسي مختلف ومتناقض ليعطى “الثلث المعطّل”. وإذا اقتضت الظروف السياسية قيام “حكومة اتحاد وطني” يتمثل الفريق الأقلّي فيها كأقلية لا بالتساوي مع الأكثرية، وعلى أساس برنامج سياسي. وإلاّ كيف تكون “حكومة اتحاد وطني” استثنائية إن لم يكن إتفاق على برنامجها لمرحلة استثنائية؟
إذاً، لا مشكلة شراكة أو مشاركة لدى أي طائفة بموجب اتفاق الطائف. ولعلّ ورشة العمل التي أطلقتها 14 آذار حول الطائف والدستور معنيّة بإعادة جلاء “فلسفة” الطائف و”مفاهيمه”. ذلك أنه على ضوء جلاء الفلسفة والمفاهيم، يمكن اتخاذ الموقف السياسي.
14 آذار: لا للثلث المعطّل
والحال أنه لا بد من أن تراعي 14 آذار في موقفها من أي “اقتراح تسوية” ضرورة عدم المساهمة في دكّ إتفاق الطائف. وتأسيساً على هذا الالتزام بالطائف ينبغي المضيّ في الرفض المطلق لـ”الثلث المعطّل”. ولعلّ 14 آذار معنيّة في أي حكومة مقبلة بأن تؤكد عدم الارتباط بين المشاركة وقوى التمثيل السياسي للطوائف، أي أن تُقدم على خطوة جريئة أولية هي عدم حصر المشاركة في الحكومة بقوى التمثيل السياسي الطائفي، وأن تدخل جرعة أساسية بتمثيل “المجتمع المدني” وفيه من كل الطوائف.
ما تقدّم يتصل بالطائف وتطبيقاته بالعودة إلى أصوله وفلسفته و”ثقافته”.
“الحنين المعارض” إلى قانون 1960 وأسبابه
وليس بعيداً من هذا الموضوع، يسمعُ اللبنانيون من الأقلية المسمّاة “معارضة” تشديداً على العودة إلى قانون الإنتخاب للعام 1960.
طبعاً من حقّ معظم اللبنانيين أن يستغربوا هذا “الحنين المعارِض” إلى قانون 1960، وقد قال فيه أركان الأقلية، في العام 2005 كلاماً كثيراً من نوع انه قانون للحرب الأهلية أو قانون كانتوني أو قانون موت. ومن حقّ معظم اللبنانيين أيضاً أن ينسبوا هذا “الحنين المعارِض” إلى محاولة تشاطر القصد منها الايحاء بمراعاة مطلب المسيحيين بهدف تعويم الجناح المسيحي المتهاوي من “المعارضة” أي الجنرال ميشال عون وتياره.
الطائف والتقسيمات الإدارية والقضاء
غير انّ ما ينبغي قوله يتجاوز ملاحظة تناقض أهواء “المعارضة” بين فترة وأخرى.
فهنا أيضاً، لا يمكن مناقشة قانون الإنتخاب العادل بمعزل عن اتفاق الطائف. ففي اتفاق الطائف نصّ على إعتماد المحافظة دائرة إنتخابية “بعد إعادة النظر بالتقسيمات الإدارية”. وإعادة النظر بالتقسيمات الإدارية عنت بالنسبة إلى كثيرين العودة إلى القضاء أي تحويل القضاء محافظة. وعنت لكثيرين آخرين “الإنطلاق” من القضاء حتى في إطار المحافظات الإدارية. وعليه، وبالاستناد إلى الطائف، يمكنُ القول انّ قانون الانتخاب يُبنى على القضاء إنطلاقاً. لكن قانون 1960 “متقادم” بل “متخلّف” وفق المقاييس الديموغرافية والإدارية وغيرها. وعلى كلّ حال، فانّ قوى الأكثرية المسيحية لم تبدِ حماساً للعودة إليه، وبكركي تدعو إلى دراسة معمّقة من أجل إنتاج قانون إنتخاب ملائم. وعندما وافق الرئيس الشهيد رفيق الحريري في لقائه الشهير مع البطريرك نصرالله بطرس صفير أوائل العام 2005، على الإنطلاق من قانون 1960، كان واضحاً انّه كان يرغب آنذاك في إعادة النظر بتقسيماته وتشوّهاته، فضلاً عن انه كان في صدد البحث عن مرحلة إنتقالية لتجاوز قانون العام 2000. وكان البلد الرازح تحت الوصاية السورية يتّجه حثيثاً إلى إخراج تلك الوصاية.
“قانون بطرس”
لذلك، فانّ المنطق يقول انّ على رئيس مجلس النواب نبيه بري أن يفتح المجلس لمناقشة قانون الإنتخاب لا أن يشترط قانون 1960 ويربط إنتخاب الرئيس بالموافقة المسبقة عليه. وثمّة مشروع محال من الحكومة إلى المجلس يتضمن صيغة أقرّتها اللجنة التي ترأسها الوزير السابق فؤاد بطرس. ولا بدّ أن يأخذ هذا الاقتراح حقه من النقاش إحتراماً لجهود لجنة ضمّت خيرة رجال القانون والدستور للتوصّل إلى قانون جديد ملائم لوضع لبنان.
فلا شيء، لا في الدستور ولا في الأصول يلزم 14 آذار التي أعلن العديد من أقطابها إستعدادهم لـ”الإنطلاق” من القضاء، بأن تعطي شيكاً على بياض لقانون 1960.