إلى جهنّم… وجنان الخلد !
راجح الخوري
يتحرّك الرئيسان نبيه بري وفؤاد السنيورة في اتجاهات تحمل أهدافاً متناقضة تماماً:
يتحرّك الأول وكيلاً أصيلاً عن المعارضة (أين أصبحت وكالة الجنرال ميشال عون؟) ويركب “بساط الريح” المسمى “الحوار” ويجول في بعض العواصم العربية بحثاً عن “البوابة اللبنانية للحل العربي S – S”، مفترضاً ان الحوار الذي يدعو اليه يساعد “المبادرة العربية” فيصبح في امكانها ان تساعد على حل الازمة اللبنانية!
ويتحرّك الثاني، اي رئيس الحكومة، وكيلاً اصيلاً عن السلطة والاكثرية ويركب “أجنحة الأرز” بحثا عن “البوابة العربية للحل اللبناني” انطلاقا من التكليف المعروف الذي سبق ان أوكل الى السيد عمرو موسى داعيا اياه الى التحرك على خط دمشق – بيروت لترطيب الاجواء اللبنانية – السورية.
وثمة جوقة طويلة عريضة في بيروت تكرر اللازمة التي تقول ان هناك اوامر اميركية صريحة تدعو الى افشال الحوار وادخال الوضع الراهن في لبنان ثلاجة الانتظار والتخمير الى ان تنتهي الانتخابات الاميركية وربما الى ما بعد الربيع من السنة المقبلة!
ويتهم بري السنيورة بانه ذاهب الى الحج والناس راجعة عندما يدعو الى اجتماع لوزراء الخارجية العرب لاستئناف البحث في تنفيذ المبادرة العربية والسعي الى ترطيب الاجواء اللبنانية – السورية، باعتبار ان قمة دمشق بالكاد انتهت وان حكومة السنيورة “البتراء والعوراء” كان عليها ان تذهب اليها ولو بعين واحدة ورجل واحدة. اما الآن فمن غير المنطقي عقد مثل هذا الاجتماع بعد انتهاء القمة التي كانت موضوع اخذ ورد بسبب اشتراط مصر والسعودية والاردن ودول اخرى ان تسهل دمشق انتخاب رئيس الجمهورية في لبنان لكي يشارك زعماؤها في القمة.
ولقد كان السؤال منذ اعلان الرئيس بري عن “مبادرته” الحوارية الجديدة: لماذا نضع عربة الحوار امام حصان انتخاب رئيس جديد، فلنذهب وننتخب رئيسا يتولى هو ادارة الحوار ويفتح افقا رحبا على الحل؟
اما عندما اعلن عن جولته لانتشال المبادرة العربية من وهدتها، ثم قال انه يتحرك لملاقاة المبادرة العربية في وسط الطريق، فقد تساءل كثيرون في سرهم:
وهل ينجح رئيس المجلس المقفل بالشمع الاصفر والاخضر والبرتقالي، حيث فشل الآخرون، عمرو موسى وغيره من الزعماء العرب الذين تحركوا على خط دمشق – الرياض – القاهرة وعادوا بخفي حنين، ليبقى اللبنانيون حفاة عراة مشردين على ابواب احتمالات فاجعة؟!
الى القاهرة ذهب بري. قرع الباب وسمع الجواب، وتحديدا على لسان السفير سليمان عواد المتحدث باسم الرئاسة المصرية:
“لا استطيع ان اقول ان هناك جديدا في ما يتعلق بالوضع على الساحة اللبنانية. فلقاء الرئيس مبارك مع بري كان مهما، وكان الرئيس مبارك واضحا وصريحا كل الصراحة في ما يتعلق بعرض مواقف مصر من تطورات الازمة (…) نحن نتطلع الى مواقف جديدة تحقق تقدما سريعا وملموسا سواء من جانب الشقيقة سوريا او من جانب الاطراف اللبنانيين الذين تقع عليهم المسؤولية الاساسية التي تحقق التوافق والوفاق اللبناني في ما يتعلق بالازمة”.
وكان عواد اكثر صراحة عندما قال ان “الاوضاع ليست في احسن حالتها مع سوريا ليس بسبب تجاهل الازمة اللبنانية قبل القمة وبعدها فحسب، ولا بسبب تنظيم تظاهرات امام السفارة المصرية في دمشق، بل ايضا لان علاقاتنا مع دمشق لها اساس راسخ” وهو بهذا الكلام ربما يعني امتعاضا مصريا شديدا من التحالف السوري الواسع مع ايران وتسهيل طريق النفوذ امامها في المنطقة.
اما قوله ان هناك ازمة حقيقية في لبنان والمطلوب وفاق لبناني ينبذ الخلافات ويُعلي مصالح لبنان ويتعاون مع الجهود العربية لتحقيق الانفراج السريع، فهو يشكّل دعوة صريحة الى بري والمعارضة للنزول وانتخاب الرئيس الذي توافق اللبنانيون عليه، وهذا هو المدخل الوحيد والطبيعي لبدء حوار عملي انقاذي.
واذا كان عمرو موسى لم يستبعد عقد اجتماع وزاري عربي للبحث في مآل المبادرة العربية، فانه كرر من لندن القول: “(…) لا يمكن ترك لبنان بلا رئيس والبلد يحتاج ايضا الى حكومة وحدة وطنية والى احترام الدستور(…) ونرى ان الطريق طويل والوقت قصير وكلما استعجلنا كان ذلك افضل حتى لا تتدهور الامور”.
ماذا يعني هذا الكلام؟
انه دعوة اخرى الى انتخاب رئيس جديد بما يفتح الابواب على حلول شاملة عبر حكومة الوحدة الوطنية والاتفاق على قانون الانتخاب والبحث في العلاقات مع سوريا.
فعلا الوقت اكثر من قصير. فهناك اربعة اشهر بين اليوم 16 نيسان و21 آب موعد سفر العماد ميشال سليمان الى الخارج محمّلا مسؤولية فراغ رئاسة الجمهورية وفراغ قيادة الجيش وما يمكن ان يحصل للذين عرقلوا ترجمة التوافق بانتخابه رئيسا ووضع البلاد على سكة الحل.
وهذه مدة اقصر من قصيرة للوصول الى الانهيار. لانه في غياب الاسم التوافقي سنعود الى نقطة الصفر، حيث يمكن ان يبدأ الانهيار فتذهب الاكثرية الى جهنم كما بشّرنا الجنرال عون اول من امس، اما المعارضة فتنبت اجنحة الملائكة على كتفيها وتحلّق مثل طيور الحب مسافرة الى جنان الخلد!