لهذه الأسباب ظاهرة عون الى أفول
د. نبيل سركيس
د. نبيل سركيس
لا يختلف أحد على أنّ الظاهرة العونية استثنائية في الحياة السياسية اللبنانية بغض النظر إن أيّدت ميشال عون الرجل أو كنت ضده. وستكتب الأقلام عديدة عن هذا الرجل الذي يمتهن الصعود بسرعة فائقة كما يمتهن الهبوط بسرعة أكبر مما يتوقع البعض.
وطبعا" تحليل هذه الظاهرة لا يمكن أن يقتصر على محللين سياسيين فقط إنّما أيضا" على محللين نفسيّين ليس بالضرورة لدراسة شخصية هذا الرجل، فليس هنا بيت القصيد، إنّما لتحليل التفاعل الجماعي مع هذه الظاهرة والذي يسمح لذاكرة جماعية بمعظمها أن تخون نفسها فتمحو ما يُطلب منها محوه وتحيي ما يُطلب منها احياؤه. وهذا الكلام لا يقصد منه في أيّ شكل من الأشكال الانتقاص من قدرة الرأي العام اللبناني، وخصوصا" في الحالة الحاضرة الرأي العام المسيحي، على التمييز والتفكير الصحيح، إنّما لحقيقة أنّ شيئا" كهذا مطلوب لنأخذ منه العبر.
فكيف يمكن مثلا" أن نفهم انجرار قسم لا بأس به من المسيحيين الى مهاجمة سيّد الكنيسة المارونية وتخوينه أحيانا"؟ وكيف يقبل الوجدان المسيحي التنكّر لتضحيات آلاف الشهداء الذين سقطوا خلال الحرب اللبنانية دفاعا" عن لبنان وكرامته؟ وهل يجوز أن توظّف هذه الشهادة بحسب الأهواء؟ وهل تبرر بعض التجاوزات التي قد تكون حدثت خلال الحرب وبغياب الدولة، أن ننقضّ لنشوّه نضالا" بأكمله؟
كيف يمكن أن لا يرى الرأي العام المسيحي أنّ من يدّعي محاربة اتفاق الطائف هو الذي أنجب هذا الاتفاق بسبب الحروب الخاسرة والمدمّرة التي افتعلها في نهاية الثمانينات؟ وهل يغيب عن بال أحد أنّ كل هذا التقهقر الذي أصاب المسيحيين هو نتيجة هذه الحروب؟
كيف يمكن أن يصدّق المسيحي اللبناني أنّه من أجل المحافظة على حقوقه يتمّ تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية المسيحي؟
لقد وصلت الظاهرة العونية الى أوجها مع نتائج الانتخابات النيابية عام 2005 بحيث أعطت هذه الانتخابات العماد عون كتلة" نيابية لم يكن هو نفسه يتوقعها، وذلك نتيجة حملة التخوين والتجنّي واللعب على الوتر الطائفي من رجل ظنّ المسيحيون التواقون وقتها لاستعادة حريتهم أنّه قد تعلّم شيئا" من تجارب الماضي.
بيد أنّ الهفوة الأساسية التي ارتكبها عون تكمن في ظنّه أنّ هذا التوكيل الذي حصل عليه هو مطلق وغير قابل للعزل، فراح يستعمله على هواه. وبدلا" من توظيف هذا الدعم المسيحي الكبير له من أجل استعادة حقيقية لحقوق المسيحيين، راح يستعمل هذا الشعار وسيلة" لتنفيذ حلمه القديم بالوصول الى كرسي الرئاسة. وإذا كان الطموح الشخصي مشروعا" بالمطلق، فما ليس مقبولا" هو أن يتمّ ذلك على حساب مبادئ ونضال شعب بكامله. وهنا أتت ورقة التفاهم، والتي بدل أن يستعملها عون لإقناع "حزب الله" بالانخراط في مشروع بناء الدولة الواحدة تمكّن حزب الله من جذب عون وتياره أو قسم منه في اتجاه تبرير استمراره بالقبض على دولة داخل الدولة.
وراحت الأخطاء تتراكم من الاعتصام ونصب الخيم في وسط بيروت والتسبّب بإقفال عدد كبير من المؤسسات السياحية والتجارية وتشريد مئات العائلات وتعطيل العجلة الاقتصادية الى تعطيل الحكم في البلاد من خلال تعطيل الانتخابات الرئاسية والحياة البرلمانية، ثم معاداة المجتمع الدولي من خلال مهاجمة فرنسا والولايات المتحدة الاميركية وغيرهما من دول العالم الحر وبعض الدول العربية وفي الوقت ذاته الدفاع عن النظام السوري وتبرئته أحيانا".
وهكذا راح المزاج الشعبي يتبدّل، وأوّلى الدلالات ظهرت في انتخابات المتن الفرعية بعد استشهاد الوزير والنائب بيار الجميل والتي أظهرت بما لا يقبل الشك تراجعا" واضحا" لشعبية التيار العوني وزعيمه.
ثم جاءت تباعا" نتائج كل الانتخابات النقابية، وآخرها انتخابات المهندسين ومعظم الانتخابات الطالبية لتؤكد هذا التحول السريع في المزاج الشعبي.
كما أنّ خطوة النائب ميشال المر بالانفصال عن كتلة عون ما هي الا استشعار من النائب الخبير بتبدّل المزاح الشعبي.
إنّ الطلّة الإعلامية الأخيرة للعماد عون بعد اجتماع كتلة الاصلاح والتغيير الأخير أظهرت بوضوح لا لبس فيه عمق المأزق الذي يشعر به، وذلك من خلال استعماله لكافة الأساليب المشروعة وغير المشروعة في محاولة لاستعادة بعض من شعبية أو على الأقل لوقف الانهيار. لكنّه فشل تماما" في هذه المحاولة وانقلب السحر على الساحر.
فهل العودة الى نبش الماضي الأليم واللجوء الى الكلام عن مقابر جماعية ليست موجودة الا في مخيلة مطلقيها، وتشويه أسباب الأزمة الاقتصادية ونسبها الى شخص كائنا" من يكون وتجاهل احتلال بأكمله ونظام أمني عاثا فسادا" في البلاد والعباد لسنوات طويلة قد يعيد بعضا" من صدقية؟ وهل التكلم عن الشهداء الغائبين وباسمهم والادّعاء الفارغ برغبة عدد من النواب بالانضمام الى كتلته يمكن أن يعوّض بعضا" من تراجع شعبيته القياسي؟
وهل استعمال فزاعة التوطين تنفع بعد؟ وهل محاربة التوطين في حال كان مطروحا" تكون بمنع الانتخابات الرئاسية واقفال المجلس النيابي وتعطيل الحكم؟ أم تكون بالعمل الحثيث والجدي داخل المحافل الدولية لتجنيب لبنان هذا الموضوع ؟
هذا غيض من فيض وكم كنا نتمنى بدل التكلم عن أفول مرحلة مظلمة من تاريخ لبنان الحديث أن نتكلم عن بزوغ مرحلة مشرقة بانتخاب رئيس جديد للجمهورية ، إنما يبدو أننا لم نتعلم بعد أخذ العبر من التاريخ .
هذا غيض من فيض وكم كنا نتمنى بدل التكلم عن أفول مرحلة مظلمة من تاريخ لبنان الحديث أن نتكلم عن بزوغ مرحلة مشرقة بانتخاب رئيس جديد للجمهورية ، إنما يبدو أننا لم نتعلم بعد أخذ العبر من التاريخ .