إخبارٌ ملفّق عن مقبرة جماعية وتحريضٌ عنصريّ على ترحيل اللاجئين وتبنٍّ للضبّاط الأربعة
عون يحاول الهروب من ضغط القاعدة الشعبية المسيحية
نصير الأسعد
نصير الأسعد
حيال الضغط الذي يواجهه على مستوى القاعدة الشعبية على خلفية كونه رئيس الكتلة النيابية المسيحية التي تعطّل إنتخاب الرئيس المسيحي للجمهورية، هرب الجنرال ميشال عون في الآونة الأخيرة الى عدد من العناوين السياسية ـ الغرائزية.
“مقبرة حالات”: وهل إعتذر الجنرال من ضحاياه؟
العنوان الأول تمثّل في تبنّيه إخباراً عن مقبرة جماعية في منطقة حالات. لو كان الإخبار صحيحاً، أي لو كان يشير الى مقبرة جماعية “حقيقية”، لكان جديراً به أن يطرحه بطريقة مختلفة، عبر القضاء بدايةً وليس عبر الإعلام، إذا كان الهدف طي صفحة سوداء من تاريخ لبنان وإنجاز مصالحة بين اللبنانيين “ضدّ” الحرب الأهلية. لكن الجنرال كان يأملُ بـ”صيد سياسي” ثمين إذ وجّه الإتهام الى “القوات اللبنانية” في محاولة للظهور بمظهر “الحمَل” أو بمظهر من لم يكن له دورٌ في الحرب الأهلية “السابقة” بكل ما رافقها من قذارات. وفي الأصل لم تنكر “القوات” كما لم يُنكر أي من الأطراف الداخليين في الحرب أنهم مارسوا القتل خلال حرب لا يحصل فيها إلاّ القتل.. لكنهم دعوا الى مزيد من المصالحات من أجل ألاّ تتكرر الحرب وكي لا يكون لبنان كياناً لحرب أهلية “دائمة”.
إذاً لم يصمد الإخبار عن مقبرة جماعية في حالات سوى دقائق بعد أن جرى التثّبت قضائياً وأمنياً من عدم وجودها. وعلى كل حال، لو كان الجنرال ممن اعتذروا من اللبنانيين عن “أعمالهم” لما جرى التعليق على إخبار. لكن الجنرال لم يعتذر من ضبّاطه وجنوده الذين قتلوا في 13 تشرين الأول 1990 فيما كان يستسلم ويلجأ الى السفارة الفرنسية.. ولم يعتذر من ضحايا الأونيسكو الذين سقطوا في حربه المسمّاة “التحرير” ولا من ضحايا حربه للإمساك بـ”المنطقة الشرقية” آنذاك.
“التوطين” كذبة لأن “التجنيس” لن يحصل والعنوان الثاني هو “التوطين”.
والتوطين ليس مجرّد “فزّاعة”، بل هو كذبة موصوفة. فـ”التوطين” ـ واقعياً ـ هو حالة اللجوء القائمة. أما إذا كان المقصود بالتوطين جعل اللاجئين الفلسطينيين مواطنين في لبنان أي تجنيسهم، فلا توجد قوة على الأرض تستطيع أن تفرض على لبنان خطوة من هذا القبيل، هي خطوة سيادية بامتياز، فضلاً عن رفض الفلسطينيين أي جنسية غير جنسيّتهم وهويّتهم الوطنية الفلسطينية.
طبعاً إن إقرار المجتمع الدولي بحق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة وبحق اللاجئين في العودة الى ديارهم، هو الحلّ الجذري، فضلاً عن كونه هدف معركة الاستقلال الوطني الفلسطيني. لكن على افتراض أن هذا الحل لم يقرّ أو أنه أقرّ جزئياً، فليس ثمة مشكلة إسمها “التوطين” طالما أن القرار السيادي اللبناني غير منازع.
الموقف الفلسطيني
وأكثر من ذلك، يعرف اللبنانيون ما أعلنه الرئيس الفلسطيني محمود عباس “أبو مازن” مراراً من أن أي لاجئ فلسطيني لن يبقى في لبنان إذا نشأت الدولة الفلسطينية المستقلة، ومن أن الأولوية في العودة هي للاجئي لبنان. وتأسيساً على “إعلان فلسطين في لبنان” تقدّمت الشرعية الفلسطينية مجسّدة في منظمة التحرير باقتراحات جريئة يعلم الجنرال عون بها، ومنها اقتراح يقول بوضع السلاح و”حامله” بأمرة الجيش كمرحلة انتقالية على طريق الذهاب الى فلسطين. وعلى أي حال، فإن التجربة الأليمة في مخيم نهر البارد دلّت على أن الموقف الوطني الشرعي الفلسطيني غلّب المصلحة الوطنية اللبنانية ورجّح سيادة الدولة اللبنانية.
موقفٌ عنصري: الترحيل
في الخطاب السياسي العوني، صار الحديث عن “التوطين” ـ الذي لا معنى له ـ موقفاً عنصرياً ـ غزائزياً ضدّ الفلسطينيين. ولم يعُد الموضوع تأكيداً على موقف لبناني ـ فلسطيني مشترك، بل صار واضحاً أن ما يطالب به الجنرال هو ترحيل اللاجئين من لبنان، أي “ترانسفير” على الطريقة التي تهدّد بها إسرائيل الفلسطينيين. واللافت في الأمر أن الجنرال الذي يخترع الموضوع في وجه اللبنانيين الآخرين وفي وجه الفلسطينيين، لا يقول كلمةً واحدة عن معسكرات “فصائل سوريا” على الأرض اللبنانية وعن تسلّحها عبر الحدود السورية وعن ممارساتها ضد السيادة اللبنانية، مكتفياً بإفراغ كميات من الأحقاد على “الجنس” أو “العِرق” الفلسطيني.
هذان العنوانان الرئيسيّان اللذان استحضرهما الجنرال في الأيام الماضية تزامناً.
تبنّي الضبّاط
غير أن الجنرال، على عادته، يفضحُ نفسه بنفسه. وفي هذا السياق، إستحضر عنواناً ثالثاً، يشارك فيه حليفُه “حزب الله” وهو يتعلّق بالضباط الأربعة الموقوفين على ذمّة التحقيق الدولي في جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وفي مقدّمهم الوزير الشهيد باسل فليحان الذي كانت الذكرى الثالثة لإستشهاده أمس، من دون نسيان ذكرى الشهيد سمير قصير بعد أقل من شهرين، وكان عون إعتبر و”على الهواء” مباشرةً إغتيال قصير حادثاً أمنياً، وهذه الجرائم تمّت في زمن الجنرالات المشتبه بتورطّهم بها.
إستقبل الجنرال زوجات الضبّاط. وأمر محطته التلفزيونية بفتح هوائها لـ”قضية” هؤلاء الضبّاط. وهذا موقفٌ سياسي إذ لا علاقة له بقانونية توقيف هؤلاء.
حقدٌ على الرئيس الشهيد
وهنا، وبالرغم من انّ الجنرال يبدو “في الظاهر” منقلباً على مواقف سابقة له تتهم سوريّا ونظامها الأمني باغتيال الرئيس الحريري، فانّ عون وقد مرّر في الفترة الماضية مواقف متعاطفة مع الأربعة، ينتقل الى تبنّيهم، متبنياً عملياً الإغتيال نفسه، كما جاء في بيان زعيم “المستقبل” سعد الحريري أمس حيث إعتبر انّ الدفاع عن الضبّاط الأربعة والمطالبة بالإفراج عنهم يعنيان تبنّي الجريمة بحدّ ذاتها.
وعلى أي حال، لم ينفِ عون مرّة واحدة ما ذكره السفير جوني عبدو عنه عندما التقاه في باريس بعيد إغتيال الرئيس الحريري. يومها قال عون ما مفاده انّ “حظ المسيحيين يفلق الصخر: يغيب الحريري ويخرج السوريون في الوقت نفسه” (!).
السؤال الوحيد: لماذا يعطّل عون إنتخاب الرئيس؟
إذاً، عنوان المقبرة الجماعية غرائزيّ، وعنوان التوطين غرائزيّ ـ عنصريّ، وعنوان الضبّاط الأربعة إستفزازي وكيدي وربما مذهبي. لكن هذه العناوين جميعاً تخدمُ التوتير الذي يريدُ النظام السوري تمديده في لبنان.
والحال انّ عون يردّ على الضغط الذي مثّلته خطوة إنسحاب النائب ميشال المر من “التكتّل”، وعلى ضغط اتحاد بلديات جبيل واتحاد بلديات زحلة، بمحاولة تخويف المسيحيين لـ”يعيدهم” إليه. غير انّ هذه المحاولة فاشلة لأن الجنرال يرغبُ في الإفلات من السؤال المسيحي الذي “يضعضعه”: كيف لمن يدّعي انّه زعيم المسيحيين أن يعطّل إنتخاب الرئيس المسيحي؟.
والجواب مطلوبٌ منه عن هذا السؤال بالتحديد مهما هرب أو تهرّب أو أطلق “فقاقيع”.