رغم حرص ولش على تبديد الهواجس حيال أي صفقة
عوامل اقليمية ومحلية تبقي أوراق خصوم أميركا قوية
روزانا بومنصف
عوامل اقليمية ومحلية تبقي أوراق خصوم أميركا قوية
روزانا بومنصف
حمل كلام مساعد وزيرة الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الاوسط ديفيد ولش، في الاحتفال بالذكرى الخامسة والعشرين لتفجير السفارة الاميركية في بيروت، اضافات الى ما قاله في لقاءاته مع المسؤولين، اذ ذكّر بدوره في تولي مكتب لبنان في الخارجية الاميركية في ذلك الوقت وانسحاب “الوجود” او “الحضور” الاميركي من لبنان من اجل ان يلتف على مقارنة بين الدورين الاميركي امس واليوم وحتمية تكرار واشنطن الموقف نفسه.
وقال ولش: “قد يتساءل البعض حول اخلاصنا ويشدد على ان الولايات المتحدة انسحبت بعد الهجمات التي وقعت عام 1983. لقد كنت اعمل يومها على موضوع لبنان، وانا اعرف اكثر، فربما نكون قد انتقلنا لكننا لم نغادر”. ويبدو هذا الموقف بمثابة اضافة عناصر طمأنة جديدة وتقديمها الى اللبنانيين الذين يبقون في اذهانهم احتمالات عقد صفقة اميركية مع سوريا وربما مع ايران على حساب لبنان، او اتاحة انعقاد صفقة اقليمية بين سوريا واسرائيل على حسابه، تماما مثلما يغذي خصوم الاميركيين فكرة امكان انسحابهم من لبنان بمعنى الدعم الذي يقدمونه الى الحكومة والاكثرية النيابية راهنا وترك لبنان مجددا معرضا للسيطرة او الوصاية الاقليمية عند اول صعوبة يمكن ان تعترضهم، او اي حادث او تغيير جوهري في السياسة الخارجية الاميركية. وقد يكون للقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين، ومنهم من عايش تلك المرحلة بتفاصيلها، الاثر الاكبر في اضافة عناصر الطمأنة الاضافية المذكورة.
ولكن في اطار الدعم الاميركي غير المسبوق للبنان يبدو تسليم الولايات المتحدة بالامر الواقع او “الستاتيكو” فيه، وإن لم تعمل له كما يؤكد المسؤولون الكبار فيها من خلال استمرار الدعوة الى انتخاب رئيس للجمهورية فورا على نقيض ما يتهمها خصومها به، بمثابة ثغرة مهمة في القدرة الاميركية على ترجمة الدعم عملانيا في السياسة الفعلية. اذ ان الولايات المتحدة، ومعها المجتمع الدولي الذي يقر بأجمعه بشرعية الحكومة في لبنان برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة، غير قادرين على فرض حل يتناسب ومصالحهم ومصالح الافرقاء اللبنانيين الذين يدعمون مصلحة لبنان السيد والمستقل، ولا هم ايضا قادرون على القبول بشروط الآخرين من حيث رفض الدخول في بازارات سياسية تنال من مصالحهم في الدرجة الاولى. فالدعم الاميركي وإن اتخذ اشكالاً غير معهودة في دعم الجيش والقوى الأمنية كما في دعم الحكومة وتأمين المظلة الشرعية الدولية الأقوى من اجل استمرار لبنان اضر بالحكومة احياناً ولم يساعدها، خصوصاً ان واشنطن لم تتمكن من تأمين عنصرين مهمين على الأقل من شأنهما ان يضعفا الاوراق في ايدي خصومها، وهما وقف الانتهاكات الاسرائيلية المستمرة للبنان جواً واحياناً براً ايضاً التزاماً للقرار 1701، وتأمين وضع مزارع شبعا تحت الوصاية الدولية.
ويعرف الاميركيون ذلك جيداً ويوردون اسباباً في الشرح، منها ما يتعلق بتلاق في مصالح افرقاء مع اسرائيل يتجاوز قدرة الاولايات المتحدة على الطلب الى اسرائيل تنفيذ هذه المطالب لعدم رغبة اللاعبين المعنيين في انهاء الوضع الراهن جنوباً، على ما حاولت “اليونيفيل” قبل اشهر حين رغبت في تركيب اجهزة مراقبة تكون بديلة من الطلعات الجوية الاسرائيلية في مراقبة عمليات نقل الاسلحة او تهريبها، فجرى الاعتراض على ذلك بقوة ومنعت “اليونيفيل” من ذلك كما تقول مصادر معنية. بالاضافة الى العجز عن الضغط على حكومة ايهود اولمرت بسبب ضعفها. لكن احد هذين العنصرين على الاقل كان ليدعم حكومة السنيورة ولبنان ايضاً اكثر بكثير من اي أمر آخر.
وفي ترجمة الدعم الاميركي للخروج من مأزق الازمة، ثمة حاجة ماسة الى ما يتخطى اطار تأكيد المواقف المعلنة، وحتى اطار تأكيد دعم المبادرة العربية نفسها. اذ ان استخدام مصطلح “دعم المبادرة العربية”، على ضرورتها في هذه المرحلة لاعتبارات متعددة، لم يعد مهماً ما دام هذا المصطلح بات يحمل تفسيراً مزدوجاً احدهما بالنسبة الى الولايات المتحدة والاوروبيين وحتى الدول العربية الاساسية يتمثل في التعجيل في انتخاب رئيس جديد للجمهورية بات معروفاً، هو قائد الجيش العماد ميشال سليمان، على ان يقود او يرعى بنفسه الحوار حول الحكومة العتيدة وقانون الانتخاب، والتفسير الآخر بالنسبة الى سوريا وداعميها كايران وبعض الدول العربية هو الحكومة وقانون الانتخاب على قاعدة القضاء العام 1960 او حتى اختصرت المبادرة العربية بقانون الانتخاب وحده، باعتبار انه لم يعد يرجى كثير من حكومة جديدة عمرها الاقصى سنة قبل اجراء الانتخابات النيابية. والفرصة متاحة لافكار جديدة في الاجتماع الذي يعقد في الكويت من اجل لبنان على هامش مؤتمر دول جوار العراق رغم الاعتقاد الديبلوماسي السائد ان اي مبادرات لن تجد صدى معقولا ما دام الاميركيون غير مشاركين فيها على نحو مباشر لأن سوريا تحتاج الى ضمانات من الاميركيين مباشرة لمجموعة من الامور، وليس من العرب ولا من الاوروبيين.
لكن للانتظار الاميركي والدولي حتى ما بعد الانتخابات الاميركية، على ما يعتقد ان سوريا وايران تراهنان عليه وتسعيان اليه، مردوداً معنوياً سلبياً جداً من زاوية ان هذا المحور هو الذي يفرض روزنامته على الآخرين، تماما مثلما تحاول ان تفعل المعارضة في لبنان مع الاكثرية، مما قد يتسبب بالاحباط عموما من الدعم الاميركي للبنان . وكل التأكيدات للمواقف الاميركية لا تصمد طويلا امام هذا الواقع، وخصوصاً ان مرحلة الانتظار هي مرحلة استنزاف للبنان ليس على الصعيد السياسي فحسب بل ايضاً على كل الاصعدة وخصوصاً الاقتصادية منها، ومن الضروري ايجاد سبيل ليس لتقطيع الوقت وامراره بأقل الاضرار الممكنة او بما يسمح للبنان بالوقوف فحسب، بل ترجمة الدعم العربي والدولي للبنان باكثر من ذلك بكثير، وخصوصاً متى كان لبنان يدفع اثماناً بالنيابة عن الآخرين. وعليهم ابتكار افكار لذلك مع المحافظة على سيادة لبنان واستقلاله شرطاً اساسياً حتمياً وضروريا لاي جهد في اي اتجاه وخصوصاً متى اقترح بعضهم التحاور اقليميا ودوليا من جديد، وسيكون ذلك متاحاً في مؤتمر دول جوار العراق، إن لم يكن في الاجتماع المخصص للبنان فعلى هامشه.