#adsense

“فرّق تسد”… والوجود المسيحي في المنطقة

حجم الخط

“فرّق تسد”… والوجود المسيحي في المنطقة

غازي العريضي
 

بعد قتل مطران الكلدان الأرثوذكس في العراق “فرج رحّو”، عمّت موجة من الاستياء والقلق في مختلف المواقع المسيحية. التشييع كان معبراً عن هذا القلق والخوف، وأصبح الذهول عامّاً. المسيحيون يتساءلون: ما ذنبنا؟ ماذا فعلنا؟ لماذا هذه الجريمة الجديدة؟ ألا يكفي ما حل بكنائسنا؟ ألا يكفي تهجير أبنائنا إلى عدد من الدول القريبة والبعيدة؟ ألا يكفي ما يعيشه هؤلاء من قهر وذل وما الحل؟

 

كانت أسئلةً برسم كل العرب والمسلمين، خصوصاً الذين يعتبرون أنفسهم أعداء إسرائيل وأميركا، لأن ما يجري لا يخدم من حيث المبدأ غيرهما، إضافة إلى أن مثل هذه النتيجة بعد احتلال العراق من قبل الأميركيين لا تمت بصلة إلى الديمقراطية والتغيير والإصلاح والحرية، وبالتالي إلى مشروع الشرق الأوسط الجديد القائم على هذه الأسس، كما ادعى الأميركيون يوم احتلالهم لبلاد الرافدين. إنها نتيجة من النتائج الكثيرة التي أفرزتها تلك الحرب على العراق، المناقضة لهذه الأسس والتي تأخذ العراق والمنطقة إلى مكان آخر مختلف تماماً عن “الحلم الأميركي الموعود وجنات الديمقراطية فيه”!

 

نعم، الفرز المذهبي والطائفي والعرقي والقومي في العراق كارثة. إذا كان سقوط صدام حسين مرحباً به من كثيرين، ونحن لم نكن معه، وفي أي موقف أعلناه ونعلنه مما يجري في العراق، فذلك لم ولا ينطلق أبداً من الدفاع عنه، فإن سقوط الدولة يجب أن يدرك خطره الجميع إلا إذا كان المشروع الحقيقي لاحتلال العراق هو سقوط النظام، وسقوط الدولة، وسقوط العراق والعراقيين في هذا المسلسل من العنف والقتل والتدمير والإرهاب والتهجير والفقر… نعم الفقر في دولة هي من بين الدول الأغنى في العالم، لأنها نُهبت على أيدي الاحتلال وجماعته ولا تزال تنهب حتى الآن!

 

المسلسل المستمر ضد المسيحيين مقلق، وغيابهم عن المنطقة سيفقدها خصوصيتها وإحدى أهم ركائزها وقيمها… فلننتبه إلى هذه المسألة، ولينتبه مسلمو المنطقة ومسيحيوها والعالم.
 
لم يكن اغتيال المطران “رحّو” الاعتداء الأول على المسيحيين. كما لم يكن الأخير، فمنذ أيام اغتيل الكاهن السرياني الأرثوذكسي عادل يوسف. وهزّ اغتياله الأوساط المسيحية أيضاً ومشاعر بعض المسلمين الأنقياء الأتقياء الأوفياء الصادقين والمؤمنين الحقيقيين. نعم أقول ذلك بألم كبير، لأنني شخصياً وعندما شاهدت قداس وداع الكاهن يوسف شعرت بخجل وإهانة وقلق. تساءلت: ماذا يجري؟ ماذا يفعل الذين يقتلون؟ من هم هؤلاء؟ أعرب هم؟ أمسلمون؟ أإسلاميون؟ أمقاومون؟ أعراقيون؟

 

كائناً من يكن وراء هذه الأعمال، فهو ضد المسيحية والإسلام والعروبة والعراق ووحدته، ومصيره واستقراره وسلامته وضد المقاومة ولا يخدم إسرائيل وأميركا عن وعي أو غير وعي عن قصد أو غير قصد.

 

لقد نشأت في السياسة على الالتزام بانتمائنا العربي بعاداتنا وتقاليدنا في دياناتنا المختلفة التي تؤكد على التسامح ونشأنا جميعاً على الاعتزاز بمنطقتنا التي منها انطلقت الرسالات السماوية إلى العالم، وعلى التنوع الطائفي والثقافي فيها الذي شكل مصدر غنى للإنسانية كلها.

 

نشأنا على معاداة إسرائيل واتهامها بأنها تقف وراء كل المؤامرات لتفتيت المنطقة، وزرع بذور الفتن وخلق المشاكل بين الطوائف والمذاهب والأديان وفي داخلها وممارسة سياسة فرّق تسد! ما يجري في العراق هو ترجمة لهذه السياسة! إفراغ العراق من مسيحييه وتهجيرهم إلى الخارج تكريس للون مذهبي أو طائفي أو عرقي واحد في هذه المنطقة أو تلك. وإلى أين سيذهب هؤلاء؟ إلى الدول العربية، أم إلى الغرب؟ ومن سيخدمون هناك؟ العرب أم الغرب؟ وماذا سيحملون معهم وكيف سيربّون لاحقاً؟ هل سيحملون ذكرى التسامح والمحبة والألفة والصورة المشرقة عن ممارسات مقاومي الاحتلال الأميركي وصانعي “العراق الجديد” على أنقاض النظام الدكتاتوري السابق، أم أنهم سيحملون ذكرى القتل والتهجير والتدمير والاستغلال والقهر، وبالتالي سيستغلّون من قبل الآخرين الذين يتهمون بتخريب العراق والمنطقة؟

 

أميركا تطلق مشروع الفوضى الخلاقة. قوى سياسية “مقاومة” وغير مقاومة. قوة “جهادية” وغير “جهادية” تطلق حملة ضد أميركا ومشروعها، لكن بعض هذه القوى للأسف هو الذي ينفذ السياسة الأميركية “الخلاقة” لتعميم الفوضى وإفراغ المنطقة من خيرة أبنائها وزرع بذور الفتن فيها، وبالتالي إسقاط ميزة التنوع عنها!

 

لقد عشنا الحرب والتهجير في لبنان. وعشناها في فلسطين مع إخواننا الفلسطينيين، ولا نزال نعيشها هناك. نعرف ذله وقهره وشعور الإنسان الحرّ عندما يترك منزله، فكيف بمثل هذه الحالة، وشعوره هذا مقرون بشعور أصعب، وهو أن لا ذنب له في كل ما يجري وما يحصل معه!

 

وعندما نظرت إلى المسيحيين المشيعين للكاهن يوسف، في الكنيسة بالعراق، شعرت شخصياً بذل وإهانة من خلال دموعهم وعيونهم التي تختزن كل أنواع الألم والقهر والشعور بالذل والخوف والغضب والقلق على المصير. فإلى أين؟ ماذا نفعل؟ وماذا عن تهجير المسيحيين خصوصاً من القدس ومن فلسطين من مهد السيد المسيح؟ ولماذا هذه السياسة وهذا الضخ المذهبي؟ أللدخول في مشروع الاقتتال بين المذاهب؟ وهل المقاومات هنا وهناك لإسرائيل وأميركا هي بهدف هذا المشروع أو ليغرق بعضها في هذا المشروع أو لتصل المنطقة إلى مثل هذه النتيجة التي لا تخدم إلا إسرائيل وأميركا؟

 

إذا أراد البعض أن يقول هذا ليس عمل مقاومة، هذا إرهاب وأنا أوافقه الرأي، لكنني أسأله لماذا لا تكون وقفة ضد الإرهاب؟ ولماذا لا تكون إدانة لمن يدعمه ويرعاه ويستخدم ساحة العراق وغيرها من الساحات ويستبيح عليها كل شيء ويمارس كل المحرمات فقط من أجل مصالحه؟ بل لماذا يكون دعم لهؤلاء؟

 

الإرهاب إرهاب، والقهر قهر، والظلم ظلم، والمقهور واحد. والمظلوم واحد لناحية المشاعر والاستهداف والنتائج. إلا أن الحديث عن المسيحيين اليوم فقط، لأن المسلسل المستمر ضدهم مقلق، ولأن غيابهم عن المنطقة يفقدها خصوصيتها وإحدى أهم ركائزها وقيمها ورسلها كي لا أقول رسالاتها ورسائلها إلى العالم… فلننتبه إلى هذه المسألة، ولينتبه المسلمون في المنطقة والمسيحيون في المنطقة والعالم.

المصدر:
الإتحاد الإماراتية

خبر عاجل