#adsense

بطرس و الذئب!

حجم الخط

بطرس و الذئب!

علي حماده

 

بداية وقفة مع قول الجنرال ميشال عون :”ان المال السياسي هو الأخطر على لبنان لأنه جعل كل شيء مباحا”، و هو بالطبع قصد في ما قصد مال “حزب ولاية الفقيه” المتدفق على “التيار” واركان “التيار”، و هو المستخدم هنا و هناك لاختراق الطوائف اللبنانية بشلل من الهامشيين المنبوذين من الشمال الى الجبل، فالبقاع، و بيروت. كما  قصد مال السيد علي خامنئي الطاهر والنظيف الذي التقطته كاميرات البروباغاندا المتلفزة و هو يُوزع على مرأى من الناس  على المساكين الذين دمّرت بيوتهم إثر مغامرة حرب تموز التي شُنّت بالوكالة عن البرنامج النووي الايراني.  ومن المؤكد ان عون كان يشير في ما يشير الى مظاهر الإثراء الفاضح المتفشية في محيطه وهي  المتسببة راهنا بالظاهرة الاحتجاجية الداخلية في تياره ! في مطلق الأحوال يبقى خطاب الجنرال مناسبة من المناسبات الطريفة في ليل لبنان الحزين.


من الجنرال الى “قصة بطرس و الذئب” يذكّرنا بها رئيس مجلس النواب بتجهيزه كراسي طاولة الحوار، و إعلانه في جريدة “السفير” امس ان طريق الرئاسة تفتح متى صار الاتفاق على اعلان نيات حول الحكومة والدائرة الانتخابية. ولمن لم يتذكّر، فإن قصة بطرس والذئب تدور حول صبي شقي اعتاد ان يذهب الى الغابة، فخطر له ذات مرة ان يصيح بأعلى صوته: “الذئب الذئب”، فهرع اليه أهل القرية ظنا منهم انهم ينقذونه من الذئب، ولما وصلوا لم يجدوا الذئب بل بطرس يضحك لأنه خدعهم، فعادوا أدراجهم. في المرة الثانية أعاد بطرس الكرة، فهرع رجال القرية مخافة ان يكون الذئب التهم الصبي، فاكتشفوا ان قصة الذئب لم تكن سوى كذبة جديدة من بطرس فعادوا ادراجهم غاضبين هذه المرة. وفي المرة الثالثة وقع بطرس على الذئب حقيقة فصاح بكل قواه: “الذئب الذئب”، ولم يحرك أهل القرية ساكنا ظنا منهم ان بطرس عاد الى لعبته المعهودة، فما كان من الذئب إلا ان التهم بطرس النادم حين لم يعد ينفع ندم!


في قصة “بطرس والذئب” عبرة للحياة مفادها ان المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين، فالتجربة مع الرئيس بري لا تحمل على التفاؤل، ولا توحي الثقة. والحق ان العديد من الإستقلاليين يعتبرون ان تجربة مؤتمر الحوار الوطني، و من بعدها تجربة طاولة التشاور، كانتا فخاً نصبهما بري للغالبية النيابية، ولم يمنعه تجلببه بجلباب شرعية مجلس النواب من ان يغلقه في مخالفة دستورية وطنية وتاريخية لا سابق لها لا في لبنان ولا في العالم. كما انه لم يتوان عن المشاركة في احتلال وسط بيروت العاصمة وتعطيل حياة الناس ومصالحهم، ولم يتأخر محازبون له عن القيام بأعمال شغب جنبا الى جنب مع جماعات “حزب ولاية الفقيه” داخل العاصمة كادت ان تشعل فتنة أكثر من  مرة بين المسلمين. وما تخرصات احدى مذيعات محطته التلفزيونية لدى اغتيال النائب الشهيد وليد عيدو سوى الانعكاس الأمين لحقيقة ما يدور في اوساط بري. وفي النهاية محا الرئيس بري كلامه في مهرجان الامام الصدر الاخير في لحظة، وهو الذي اعلن خلاله مبادرة مضمونها التوافق على رئيس توافقي والانتخاب فورا. فأين ذهبت المبادرة ومعها الصدقية؟


اليوم يقول بري: “ان الوقت يدهمنا جميعا، والمطلوب ليس الاستغراق في الحوار والدوران في حلقة مفرغة، بل قيام حوار عاجل ومنتج نصل في نهايته الى “إعلان نيات ” في شأن النسب في الحكومة المقبلة، وأي دائرة انتخابية ستعتمد. وبعد الاتفاق ، يصير فورا رفع الاعتصام من وسط بيروت، نذهب فورا الى انتخاب الرئيس التوافقي العماد ميشال سليمان ضمن السلة الكاملة(…).


ولعل اهم ما في كلام بري قوله: “… لقد بلغنا مرحلة الخطر ولا وقت للتشاطر، لقد وصلنا الى ساعة الحقيقة، فلنعلم ان الحل لبناني لبناني، و لا يحلمن احد، ايا يكن في الداخل والخارج، بأنه يستطيع ان يفرض علينا شيئا من الشرق او الغرب، او ان يمون علينا بأي حل يضر بالمعادلة اللبنانية القائمة وبمبدأ الشراكة التي كرسها اتفاق الطائف. فليسمحوا لنا، نحن نرفض اي حل يضرالمعادلة اللبنانية، الحل بالحوار اللبناني اللبناني، وليزعل من يزعل، ومن يرد ان يركب رأسه فليركبه”.


كلام جميل حقا، لولا التجارب المُرّة مع قائله، ولولا انه يناقض في اقل من شهر كلاما آخر لقائله ان الحل هو على قاعدة (س- س.)، اي انه خارجي بين السعودية وسوريا وبعد ذلك ينعكس حلا بين اللبنانيين. فأي نبيه بري نصدق؟
مع ذلك، نبقى مع مبدأ الحوار الحذر بديلا من الاحتكام الى الشارع. وفي الوقت نفسه يصعب علينا ان نفهم كيف ان من احتكموا ويحتكمون الى الشارع حتى هذه اللحظة هم أكثر من يحاضر بالحوار!

المصدر:
النهار

خبر عاجل