#adsense

مرتا والرئيس

حجم الخط

مرتا والرئيس

راشد فايد

 

ليس أمرا عابرا في الحياة السياسية اللبنانية أن تجتمع مجالس البلديات في المتن الشمالي، ثم في جبيل وكسروان، وبعدها في زحلة، لتستعجل انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية .فهذه الهيئات ليست أقل صدقية من مجلس النواب في تمثيلها الرأي العام. وهي يجب أن تكون كذلك ولا سيما  في عيون الداعين الى تبني قانون 1960 في الانتخابات الاشتراعية المقبلة “غراما” منهم بالدائرة الصغرى وصدقية التمثيل الذي تؤمن. ومما تؤشر اليه هذه المؤتمرات، ولعله الابرز،  حيوية المجتمع المدني الذي عاد الى التعبير عن مصالحه، وان متأخرا، معلنا رفضه استمرار الانتظار الممل لنهاية لعبة الثلاث عشرات وما يتفرع منها ويلحق بها من اشتراطات مستنبطة من خارج  الدستور  وضده .


وإذا كان العنوان المعلن للمؤتمرات الثلاثة هو طرد الفراغ من رئاسة الجمهورية ،فإنه لايلغي عناوين أخرى مضمرة في ظله، منها  أن “الزجل” السياسي الدائر منذ نحو خمسة أشهر، إن لم يكن منذ بداية الأزمة، لا يعكس رأي الغالبية اللبنانية، لا سيما في شقه المعطل للدولة والوطن، وأن المجتمع الذي صنع الواجهة النيابية والسابق لوجودها، وسيستمر بعد تغيير وجوهها في الانتخابات المقبلة ،لا يرضى بربط انتخاب رئيس الجمهورية بما لا ينص عليه الدستور وبما يخالف الاعراف والتقاليد الديموقراطية التي يتبناها اللبنانيون ،وتمسكوا بها حتى في أحلك خلافاتهم وتناحرهم .


من العناوين المضمرة أيضا، أن الحوار بين اللبنانيين يبدأ من هذا الانتخاب، الذي يعني، في ما يعنيه، اسقاط السعي الى استرهان رئاسة الجمهورية لارضاءات في الحقائب الوزارية ومواقع القيادات الامنية، بعد خطف البلد رهينة  الاقتسام  تحت اسم المشاركة، والتعطيل تحت تسمية المصلحة الوطنية مرة بمستوطنة الخيم، وتكرارا بمد خطوط الهاتف الذاتي، بعد الأمن الذاتي.


ومن العناوين أيضا، ان إعادة تكوين السلطة (الشعار الذي يحبه الجنرال) يكون من ضمن الدستور أي بالعمل الديموقراطي وعنوانه الحالي اليوم  استكمال هيكل الدولة بانتخاب رئيسها، ثم الانتقال الى مناقشة الازمة برعايته وتحت قبة البرلمان، وليس تحت تهديد السلاح سواء اكان ناريا، اسمه  سلاح المقاومة ام كان تخريبيا  اسمه مخيم أهل المقاومة وتظاهرات الكهرباء والخبز، الذين وحدهم يعانون تقلباتهما انقطاعا وسعرا (!؟).


عمليا، تأتي مؤتمرات البلديات صرخة غير سياسية، وغير منتمية الى أي من طرفي المواجهة السياسية، ولا يشد جمعها أي رابط مذهبي أو ديني أو مربع امني، لتقول إن انتخاب رئيس الجمهورية شرط واجب لأي حوار، ولوقف التبعات الكارثية لما بدأ بسحب الوزراء – من دون أن يسحبوا ايديهم من الوزارات – ولم ينته بالاستماتة في الدفاع عن الضباط الاربعة.


وللمصادفة، يسجل لهذه الهيئات أنها استشعرت ضرورة التحرك في الوقت نفسه الذي استشعر فيه الرئيس نبيه بري ضرورة العودة الى طاولة الحوار، مع فارق أساسي هو أن “البلديين” يريدون البدء بالمبتدأ أي الانتخاب بينما رئيس المجلس يريده من المنتهى، أي الحوار، وان يكن استبدل ضرورة التوصل الى اتفاق على اقتسام الحقائب الوزارية (وغيرها) باقتراح “إعلان نيات”. والصورة الاوضح للفارق تقول إن هناك من يريد حل الازمة وهناك من يرى أن الأنسب ،بعدما طالت بلا جدوى للمعارضة، تحقيق الحد الادنى من المكاسب في انتظار تحسن الظروف. 

 
وفي التفسير، ان المعارضة إذا ما استمرت في نهجها في تعطيل الحياة السياسية لن تصل الى مكان حتى وان ظلت تردد ان الحكومة غير شرعية وغير دستورية وبتراء. فالامتناع عن انتخاب رئيس للبلاد لن يؤدي الى تغيير الحكومة، وعدم فتح أبواب مجلس النواب لهذا الانتخاب لن يتيح انعقاده لاقرار قانون انتخاب جديد. مما يعني أن المجلس الحالي سيبقى هو المرجع الاشتراعي في البلاد حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. وللتذكير، فإن مجلس1972 ظل دستوريا حتى العام 1992 بعيد إقرار اتفاق الطائف.


ماذا ستفعل المعارضة إذا وصلت الامور الى هذا السيناريو: هل تنقل الحرب السياسية المسلحة بالخيم وغيرها الى حرب شوارع؟ لا أحد يعتقد بذلك ولا أحد يريده. وهذا ربما ما يفسر خوف الرئيس بري وحرصه على الحوار، إذ هو يستبق بذلك الوقت الذي لا يبقى للمعارضة فيه ما تساوم عليه سوى قانون الانتخاب. وهذا ما يفسر أيضا لجوء هذه المعارضة الى تزوير التاريخ واتهام 14 آذار بالرغبة في استمرار تطبيق  قانون سنة 2000 الشهير، تخوينا لها بتهمة تزوير الارادة الشعبية للناخبين عبر تبنيه، مع تركيز التهمة على رئيس كتلة “المستقبل” النائب سعد الحريري واتهامه بارادة ضمان العودة الى المجلس بكتلة من 40 نائبا.


رئيس المجلس الذي نسب اليه هذا القول، لم ينس بالتأكيد أن جلسة 22 أيار 1999 شهدت إقــرار قانــون غازي كنعان الشهير بـ81 صوتا وامتناع 4 واعتراض 17 منهم 11 من كتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، أي أكثر من نصفهم. ولم يكن بين المعترضين أي نائب من حركة “أمل “أو من “حزب الله”.


ربما أطلق رئيس المجلس هذا القول  للضغط من أجل عقد الحوار الذي يريد بجدول الاعمال الذي اختاره. لكن المجتمع الاهلي، من البلديات الى “لجنة الأم” عند بوابة قصر بعبدا، يخاطب الجميع بقول السيد المسيح لمرتا “تهتمين بأشياء كثيرة والمطلوب واحد”. إنه انتخاب رئيس الجمهورية المرشح الوفاقي العماد ميشال سليمان.  

المصدر:
النهار

خبر عاجل