#adsense

من يستعجل الفوضى في لبنان؟

حجم الخط

بين جريمة زحلة لإيقاع الفتنة المسيحية وتمسك 14 آذار بالدولة
من يستعجل الفوضى في لبنان؟
  
أحمد الزعبي

 

أتت جريمة زحلة التي أودت بحياة الكتائبيَين نصري ماروني وسليم عاصي عشية الذكرى الثالثة للخروج السوري الرسمي من لبنان الذي أطلقته دماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لتعيد إلى الأذهان الهاجس الأمني الذي لا يزال متقدماً على وجهي الأزمة الآخرين: السياسي والاقتصادي.


لكن من نافل القول إن هذه الجريمة المروّعة، والتي تزامنت مع الذكرى السنوية لجريمة خطف وقتل الشابين زياد غندور وزياد قبلان في بيروت قبل عام، تشكّل مؤشراً لوجه المرحلة “الأمني”، وتظهر بوضوح أن الجهات المجهولة ـ المعلومة التي تقف وراءها مصرّة على استعجال التفجير في لبنان، بحسب أوساط سياسية متابعة.


الجريمة: ملاحظات أولية


في البداية، ومع افتراض “جهالة” أو “تجهيل” الفاعل، لا مهرب من الإقرار بأن الجهة القاتلة هي على مستوى متمرس من الاحتراف والإمكانات، فمن جهة ينتمي الضحيتان إلى حزب “الكتائب” وقد قتلا بعد دقائق قليلة من مغادرة نجل رئيس الحزب سامي الجميّل مكان حصولها، ومن جهة ثانية كانت مدينة زحلة شهدت قبل يوم واحد من الجريمة مهرجاناً شعبياً استكمالاً لما شهدته مناطق مسيحية أخرى رفضاً للفراغ في سدة الرئاسة ولمطالبة النواب بتحمّل مسؤولياتهم في هذا الإطار، بمعنى أن المدينة أيضاً مستهدفة بالترهيب الذي حصل، وأن سهولة فرار مطلقي النار وتخفيهم يثير المزيد من الهواجس والأسئلة من جهة ثالثة.


أمام هذه الملاحظات الأولية، تقف الأوساط السياسية لتعقد مقارنة بين جريمتي زحلة ووطى المصيطبة التي راح ضحيتها “الزيادان”، لتؤكد انطباق كل شروط إحداث الفتنة واستجرار الفوضى إلى الداخل اللبناني التي طالما هدّد بها النظام السوري ورددها حلفاؤه في الداخل منذ خروجه من لبنان. فهذه الجريمة، بحسب الأوساط عينها، تشكّل استفزازاً للموارنة، وتحديداً لأنصار ومحازبي حزب “الكتائب” وأيضاً لأنصار الأكثرية في تلك المنطقة وتدفع بهم في ظل المناخ القائم في البلاد، أي مناخ الصراع السياسي والتحريض الطائفي، بل العنصري أحياناً كالكلام الذي قيل بحق الفلسطينيين في لبنان مثلاً، ونبش القبور إلى الاستنفار ضد الطائفة التي ينتمي إليها المشتبه بهما في الجريمة (وهي السريان الارثوذكس) أو طائفة الزعيم السياسي اللذان يتبعان له (وهي الروم الكاثوليك).


بمعنى أوضح ان المخطِط لهذه الجريمة انما كان يفترض أنها كافية لإيجاد حالة استنفار مسيحي ـ مسيحي، تماماً كما كان مخططاً لجريمة وطى المصيطبة أن توجد استنفاراً درزياً ـ شيعياً، ومن قبلها أحداث 23 و25 كانون الثاني 2007 في بيروت أن توجد أيضاً استنفاراً سنّياً ـ شيعياً يكون مقدمة للفوضى وهزّ السلم الأهلي.


التوقيت: لحظة إفلاس الأقلية


ما يساعد على تأكيد هذه القراءة لظروف الجريمة أو تنسيبها إلى هذا المناخ في ملابساتها وأهدافها، هو توقيتها أيضاً، إذ لا يخفى أنها حصلت في مرحلة يبدو فيها واضحاً أن قوى الأقلية باتت تدور في حلقة مفرغة جرّاء إفلاس كل محاولات التعطيل والعرقلة التي اتبعتها، وبالتالي وصلت إلى حالة هي أقرب إلى فقدان السيطرة. وقد بات الداخل اللبناني كما العالم العربي كما المجتمع الدولي يدرك تماماً خلفيات عرقلة كل مساعي ومبادرات الحل، الأمر الذي جرى وتكرر التأكيد عليه في كافة اللقاءات اللبنانية ـ العربية، والعربية ـ العربية، والعربية ـ الدولية التي بحثت الأزمة في لبنان.


ولكن الأهم، والكلام للأوساط نفسها، أن قوى الأقلية ومن وراءها اصطدموا في كل مرة بالسياسة التي تعتمدها الأكثرية في التعاطي مع محاولات استفزازها. أي الموقف المؤكد على التمسك بالدولة وأجهزتها والمشدّد على صون الاستقرار وقبل ذلك وبعده على حماية التنوع اللبناني، وفي أساسه وقف الفرط الممنهج للدولة وتفريغ موقع رئاسة الجمهورية الذي يتغنى حلفاء سوريا بالتبشير باستمراره شاغراً طالما لم يعطوا حقّ التعطيل.


العماد سليمان: هدف آخر


بيد أن ثمّة سياقاً سياسياً آخر، تقول الأوساط السياسية المتابعة، يمكن فهم جريمة زحلة في إطاره، وهي استهداف استمرار طرح اسم العماد ميشال سليمان مرشحاً توافقياً للرئاسة، خصوصاً مع توسّع دائرة التأييد له في الأوساط الشعبية والأهلية والمدنية التي تزيد مطالبتها بإنجاز انتخابه في أسرع وقت ليباشر من موقعه الدستوري والطبيعي على رأس الدولة رعاية أي حوار وطني كحكم يضبط العملية السياسية ويوازن بين المصالح والمفاسد في أمور الحكم وعلاقة الأطراف ببعضها. وتشير هذه الأوساط إلى الاستهدافات المتوالية من قوى 8 آذار للعماد سليمان. وآخرها اعتبار رئيس “تكتل التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون ان الحركة الشعبية المذكورة تجعل من العماد سليمان طرفاً وبأن “من الحب ما قتل”، وتلفت الأوساط إلى مراهنة أطراف المعارضة على انتهاء الفترة المتبقية للعماد سليمان في قيادة الجيش، لإغراقه بحملة سياسية تستهدف حياديته وبالتالي العودة بالأزمة الى مربعها الأول، أي ما قبل الاتفاق على المرشح التوافقي.


وفي معلومات المصدر المتابع أن طرح الحكومة الانتقالية الذي لوحت به أطراف في المعارضة للالتفاف على حالة الافلاس التي تتخبط فيها؛ ليس مفصولاً عن تصورها المتكامل للانقلاب على الواقع القائم طالما أن الحكومة لا تزال تتمتع بالمشروعية الشعبية والنيابية والعربية والدولية.


الجميل ورفض الفتنة


حيال جريمة زحلة، كيف تعاطى الرئيس أمين الجميل والأكثرية؟


لم يخرج الجميل عن سياق المواقف السياسية والعملية التي اتخذها يوم مصابه الكبير باغتيال نجله الشاب الوزير والنائب بيار الجميل ويوم فجيعته بالنائب أنطوان غانم. كيف؟ أدرك أن ثمة من يستعجل الفتنة ويريد تفجيرها، وأن هناك متضررين من صحوة الشارع المسيحي الذي غرر به في لحظة معينة بشعارات ثبت عدم مصداقيتها؛ فدعا الى ضبط النفس والهدوء والتفكر، ولكنه أيضاً دعا الى الالتزام بموجبات القانون وسيادة الدولة وتسليم الأمر للقضاء وعدم الانزلاق الى أي فتنة بالرغم من حجم المأساة.


وبالتالي يمكن القول انه وكما أحبط رئيس “اللقاء الديموقراطي” النائب وليد جنبلاط في ربيع العام 2007 محاولات الاستدراج للفتنة اثر جريمة وطى المصيطبة، وكما فعل رئيس “تيار المستقبل” النائب سعد الحريري في أعقاب أحداث 23 و25 كانون الثاني 2007؛ كذلك فعل الرئيس الجميل بالتشديد على رفض الانجرار الى الاستفزاز، لا بل خاطر هو وعائلته بحضور جنازة الشهيدين ماروني وعاصي في زحلة شخصياً من أجل الوقوف على خواطر أهليهما وللتهدئة.


ولعل هذه المواقف تحديداً، من قيادات الأكثرية، هي ما يغيظ أصحاب مشروع الفتنة. هم يريدون من قيادات الأكثرية أن تُستَفَز، أو بمعنى أوضح أن يتركوا خيار التمسك بالدولة والذهاب الى دويلات الأمن الذاتي فيؤدي ذلك الى تسويغ “فرط” الدولة و”إقامة” الدولة غير الشرعية. وهو الأمر الذي تعيه 14 آذار جيداً، أي تدرك تماماً المخطط السوري وأدواته في لبنان، وفوق ذلك تؤمن أن الشجاعة والقوة ليست في الفتنة والاقتتال الداخلي بل في رفض ذلك ومنعه والحؤول دون أسباب قيامه.


وعليه، فإن الموقف الذي التزمه الجميل، والتزمه من قبله الحريري وجنبلاط حيال عمليات الاستدراج الممنهج للفتنة، هو موقف صعب لكنه موقف وطني خالص، يجب تعميمه والتمسك به الى أن ييأس “الفتنويون” من مسعاهم.


الشيء بالشيء يذكر: الأمن خط احمر


تأسيساً على ما تقدم، تؤكد المصادر السياسية على جملة عناوين:


أولاً: ان جرائم القتل والترهيب إنما هي نتاج طبيعي لسياسة التهديد والتخوين، وهي أيضاً نتاج لعمليات توزيع السلاح الواسعة التي قامت وتقوم به جهات معروفة تحت مسميات وعناوين عدة وما جرى هو بعض نتائجها.


ثانياً: تستحضر هذه المصادر عدداً من الحوادث لا تقل في مدلولاتها عن المناخ المشار إليه، كلجوء “أمن” مخيم وسط بيروت الى تفتيش مؤمنين متوجهين للصلاة في إحدى كنائس وسط بيروت، وقيام عناصر حزبية معروفة بالاغارة على دورية لقوى الأمن وتحرير شخصين كانت تحتجزهما، واعتقال عناصر من الحزب عينه عنصراً امنياً كان يقوم بواجبه بمنع مخالفة بناء واستجوابه حول هيكلية وعمل قوى الأمن الداخلي، وتسأل هذه المصادر عن سبب عدم اتخاذ تدابير تضع حداً للاعتداء على القوى المولجة الحفاظ على أمن الوطن والمواطن.


ثالثاً: ولعله الأبرز، إذا كانت الأجهزة الأمنية لا تزال تبحث عن المتهمين في جريمة زحلة، فإن الأمن في البلاد بعد هذه الجريمة وقبلها يمثل التحدي الأبرز أمامها في ظل الظروف والملابسات التي سبق ذكرها.


رابعاً: إذا كانت المؤسسة العسكرية وقيادتها، لعبت طوال الفترة التي تلت جريمة 14 شباط 2005 الارهابية، أي المرحلة الانتقالية للبنان من حكم الوصاية الى الاستقلال الثاني، دوراً كبيراً في حماية لبنان وضبط عملية الصراع السياسي فيه، فإن الواجب يقتضي التنبه الى محاولات جرّها الى حمأة الأزمة القائمة في سياق استهداف البلد ككل، واستهداف رمزها العماد سليمان أيضاً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل