كيف ستجرى الانتخابات النيابية مع وجود مربّعات أمنية ؟
جريمة زحلة تفتح العيون على خطورة انتشار الأسلحة والفوضى
اميل خوري – النهار
جريمة زحلة تفتح العيون على خطورة انتشار الأسلحة والفوضى
اميل خوري – النهار
فتحت جريمة زحلة العيون على خطورة الوضع في لبنان وسط استمرار الفراغ الرئاسي واحتمال حصول جرائم مماثلة في اي وقت، وفي اي منطقة اذا ظلت البلاد بلا رأس لأسباب شتى. والسياحة معرضة لمباغتات امنية، كما توقع السفير السابق جوني عبده، فانتخاب الرئيس هو الذي ينهي الاعتصام في الخيم وسط بيروت ويعيد الحركة الاقتصادية والتجارية والسياحية اليها. كما يعيد النشاط الى مجلس النواب المغلقة ابوابه منذ اكثر من سنة فكان أقل المجالس انتاجاً، ويحرك كذلك المشاريع الاستثمارية الجامدة والمجمدة ويجتذب الأموال لتوظيفها في لبنان، ويعيد الاوضاع فيه الى طبيعتها مع تشكيل حكومة وحدة وطنية يتولى رئيس الجمهورية بالاتفاق مع الرئيس المكلف تشكيلها وفقاً للأصول الدستورية وليس اي جهة سواه، عدا انه لا يمكن تشكيل الحكومة قبل انتخاب الرئيس لان هذا مخالف للدستور بل يمكن الاتفاق على المبدأ وعلى العناوين الكبرى فقط من خلال بيان نيات يصدر عن الموالاة والمعارضة بتأييد تشكيل حكومة وحدة وطنية ووضع قانون جديد للانتخاب عادل ومتوازن من دون الدخول في التفاصيل.
وبعد ان يتم انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة، يصبح مشروع قانون الانتخاب مطروحاً على بساط البحث توصلاً الى الاتفاق عليه بحيث تجرى الانتخابات النيابية المقبلة على اساسه، وتتهيأ الاجواء والمناخات الصاخبة لاجرائها لأن الاجواء المسمومة السائدة حالياً وسط انتشار الاسلحة بين ايدي فئات لبنانية ولا سيما منها “حزب الله” اذا ظلت من دون معالجة، تجعل من الصعوبة اجراء الانتخابات حتى بوجود رئيس للجمهورية وحكومة للاشراف عليها، فكيف اذا لم يكن هناك رئيس ولا حكومة؟
ان جريمة زحلة في رأي اوساط رسمية وسياسية وشعبية تنذر بالخطر الشديد وبالفوضى العارمة اذا لم يعتقل مرتكبوها واذا لم يتم انتخاب رئيس للجمهورية في أسرع وقت كي يتم عندئذ تشكيل حكومة وحدة وطنية يجسد تشكيلها الوفاق الوطني الصحيح بين اللبنانيين، والا كيف يمكن اجراء انتخابات نيابية في اجواء مسمومة ومشحونة من دون استبعاد حصول سلسلة حوادث دامية وخصوصاً في المناطق الحساسة التي تتنافس فيها اللوائح تنافساً شديداً، لانها انتخابات تقرر بنتائجها مصير لبنان كياناً وهوية ونظاماً، وتحدد خيارات الشعب اللبناني السياسية والمستقبلية حيال القوى المتصارعة ومن يراه منها مؤهلاً لحكم لبنان.
وتتساءل الاوساط نفسها بعد جريمة زحلة كيف يمكن اجراء انتخابات نيابية، وخصوصاً اذا استمر الفراغ الخطير في البلاد، مع وجود اسلحة في ايدي فئات لبنانية ولا سيما منها “حزب الله” وكيف يستطيع المرشحون ان يقوموا بجولاتهم الانتخابية وينظموا المهرجانات والحملات الدعائية ويعينوا مندوبين على اقلام الاقتراع وفي البلاد مربعات امنية محظور دخولها حتى على قوات السلطة الشرعية، وهل في استطاعة هذه القوات ان تحفظ الأمن في مثل هذا الوضع سواء خلال فترة الانتخابات، او يوم الانتخابات بالذات ولا يخشى وقوع حوادث دامية يسقط فيها قتلى وجرحى قد يكون عددهم كافياً لتعطيل الانتخابات.
لذلك، فان الذين يفكرون في عدم اجراء انتخابات رئاسية الا بعد اجراء الانتخابات النيابية، وفي ظل هذا الفراغ في المؤسسات، وفي ظل الاجواء الحزبية والسياسية المتوترة الى حد الانفجار، انما يريدون من حيث يدرون او لا يدرون، ادخال البلاد في فوضى عارمة تجعلها مفتوحة على كل الاحتمالات بما فيها التوطين والتجزئة والتقسيم، لان ليس في الامكان تحقيق ذلك في ظل وحدة داخلية ووفاق وطني، بل في ظل هذه الفوضى.
والسؤال المطروح هو: كيف السبيل الى مواجهة الوضع السياسي والامني المتفجر في البلاد؟ الجواب هو في انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً توافقياً في اسرع وقت ممكن، وفي تشكيل حكومة وحدة وطنية تعالج موضوع السلاح ولا سيما سلاح “حزب الله” وذلك بالاتفاق على وضع “استراتيجية دفاعية” كان مؤتمر الحوار الوطني قد باشر البحث في وضعها، وربما كان قد توصل الى اتفاق في هذا الشأن لولا حرب تموز المفاجئة، وهذه “الاستراتيجيا الدفاعية” لا بد من وضعها كي يدخل سلاح “حزب الله” في اطار الشرعية ومن خلال حكومة الوحدة الوطنية، والا فلا قيام لدولة قوية قادرة، بل سلطة تظل تعلو على سلطتها وقانون فوق قانونها ولا يعود تالياً مجال لتنفيذ القرار 1559 ولا القرار 1701
الواقع انه عندما يتساوى اللبنانيون امام القانون، ويسود جو من السلام والوئام بينهم، عندها يصير في الامكان اجراء انتخابات نيابية هادئة، كما يصير في الامكان السعي الى تأليف لوائح ائتلافية في الدوائر الانتخابية الحساسة تفاديا لوقوع صدامات وحوادث دامية فيها. وان قيام حكومة وحدة وطنية قد يساعد على تشكيل مثل هذه اللوائح.
ويخطئ العماد ميشال عون عندما يشبه الوضع الحالي بالوضع الذي كان سائداً قبل اتفاق الطائف عندما لم يتم التوصل الى انتخاب رئيس للجمهورية الا بعد التوصل الى هذا الاتفاق، فليس في الامكان الانتظار الآن الى حين التوصل الى اتفاق على كل المواضيع المثيرة للخلاف قبل انتخاب الرئيس لان الفراغ الحاصل اليوم لا يشبه الفراغ الذي كا ن حاصلا في العام 1988 لانه فراغ تسببت به الحرب التي لم يكن في الامكان وقفها الا بالتوصل الى اتفاق عرف باتفاق الطائف، وكانت البلاد مدارة بحكومتين، حكومة برئاسة الدكتور سليم الحص ونصف حكومة برئاسة العماد عون، ولم يكن الفراغ يومها حتى في ظل هاتين الحكومتين، وفي ظل الحرب الداخلية، اخطر من الفراغ الذي تشهده البلاد اليوم، لأن ذاك الفراغ كان يفتح باب الأمل على اتفاق سيتم التوصل اليه في لقاءات الطائف، فيما الفراغ اليوم لا يفتح باب الأمل على اي اتفاق وخصوصا اذا كان المطلوب اتفاق طائف جديد… لذلك فان خطورة الوضع الحالي تفرض انتخاب رئيس للجمهورية اتفق الجميع على انتخابه خلافا لما كان عليه الوضع قبل الطائف وهو العماد ميشال سليمان باعتباره رئيساً توافقياً، وهو الذي، بعد انتخابه، تقع على عاتقه مسؤولية تشكيل حكومة وفاق وطني، واشاعة الاجواء الصافية لاجراء انتخابات نيابية هادئة ونزيهة بموجب قانون عادل ومتوازن، وما عدا ذلك فهو مضيعة للوقت وتدمير للبنان.