#adsense

لم يكن رفيق الحريري عضواً في “حزب الله” والدولة كانت هدفه الدائم!

حجم الخط

من أجل إعادة الاعتبار للمسار المترابط في فكره بين الطائف وتفاهم نيسان.. وصولاً الى الـ1701

لم يكن رفيق الحريري عضواً في “حزب الله” والدولة كانت هدفه الدائم!
نصير الأسعد

 

الشائع عن تفاهم نيسان 1996 أن الرئيس الشهيد رفيق الحريري هدف من خلاله الى ما يسمى “شرعنة” المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، أي إضفاء شرعية دولية عليها، وأنه لذلك جابَ أصقاع الدنيا آنذاك.


يستندُ هذا “الوعي الشائع” ـ والحقيقي ـ الى حقيقة أن التفاهم ينصّ بوضوح على تحييد المدنيين (من الجانبَين اللبناني والإسرائيلي) عن الصراع العسكري، أي أنه يمنعُ على إسرائيل التعرّض للمدنيين ـ المواطنين اللبنانيين. وعندما يكون المدنيّون محيّدين تكون المقاومة آمنة لأن أمانها بين المدنيين هو أبرز نقاط قوّتها.


الرئيس الشهيد وثنائية تفاهم نيسان


بيدَ أن لتفاهم نيسان وجهاً آخر لم يكن متداولاً حينذاك ولم يُسلّط الضوء عليه الى الآن.


هذا الوجه الآخر للتفاهم يتمثّل في لجنة مراقبته التي تشكّلت توازياً مع سريانه، حيثُ تحضُر “الدولة” اللبنانية في اللجنة جيشاً ووزارةَ خارجية.


بمعنى آخر، أدخل التفاهم الدولة رسمياً على خط الوضع في جنوب لبنان إذ أسّس يومَها لثنائية بين الجيش والمقاومة. الأول يمثل شرعية الدولة وشرعية حضورها جنوباً، ويمثل الدولة في إطار إقليمي ـ دولي. أما الثانية، أي المقاومة، فتقوم بمهمّتها التحريرية بغطاء من شرعية الدولة.


يومَها كانت الثنائية لصالح الدولة


يومئذٍ، كان تأسيسُ تلك الثنائية إنجازاً كبيراً، بل كان أقصى ما يمكن تحقيقهُ تأكيداً لسيادة الدولة على الجنوب أو لحقّها في السيادة عليه. فالجيش “الممنوع” من الحضور جنوباً، يحضر للمرة الأولى “بطريقة أو بأخرى” عبر تفاهم نيسان. وبكلام أوضح، كان قيام الثنائية في تلك الفترة لصالح الجيش والدولة، إذ شكّل التفاهم جسر “عودة” لهما الى منطقة لبنانية لم تكن متاحةً أمامهما.


إذاً بتفاهم نيسان لم يكن هدف شرعنة المقاومة سوى الوجه الظاهر لما أراده الرئيس الشهيد، في حين أن شرعنة حضور الدولة وجيشها ودورها كانت هدفه الأساس، والوجه الأهم لما تطلّع إليه الرئيس الحريري بوصفِه حامل “فكرة” الدولة و”مشروعها”.


طبعاً، في تلك المرحلة، كانت المقاومة التي اكتسبت بتفاهم نيسان ميداناً إضافياً من ميادين الشرعية، مقاومةً “شرعية” بمقاييس عدة. فبغياب الدولة منذ إنطلاقة المقاومة، بتلاوينها السياسية كافة بدايةً قبل أن تنحصر في إطارها الإسلامي الشيعي، وفي ظل القرار الدولي 425 الذي على الرغم من عدم اعتراف “المقاومة الإسلامية” به، يؤكد حقّ لبنان في استعادة سيادته على أرضه المحتلة باجتياح العام 1978، كانت المقاومة تمتلك مشروعية: واحدة لبنانية لأنها تقاتل لتحرير أرض لبنانية ولأن الدولة “المدمّرة” بالحرب اللبنانية والممنوعة من النهوض من جانب سلطة الوصاية السورية أخلَت المجال لدور قوى في “المجتمع” اللبناني، وثانية خارجية عربية ودولية لأنها كانت تحت سقف القرار 425 الذي تضمّنه إتفاق الطائف وهو إتفاق عربي ـ دولي فضلاً عن كونه اتفاقاً لبنانياً ـ لبنانياً.


.. لم تنتَهِ في الـ2000


الثنائية التي كرّسها تفاهم نيسان 1996 بين الجيش والمقاومة والتي كانت حينذاك لمصلحة الجيش تأسيساً على المقدّمات السابقة، كان يُفترض أن تنتهي بعد التحرير عام 2000. فبعد التحرير عام 2000، صارَ “المشروع المقاوم” إشكالياً بالكامل. فإذا كانت المقاومة حظيت قبل الـ2000 بتأييد لبناني جامِع أو أنّها كانت مؤيّدة من جانب شطر من الاجتماع اللبناني كأمر واقع، فإنها بعد العام 2000 تحوّلت الى عنوان إنقسامي صرف بين اللبنانيين. وراح يظهرُ تباعاً الدور “الإقليمي” للمقاومة “اللبنانية” (أي المقاومة “في” لبنان).


الحريري سعى الى توسيع حيّز الدولة


حيال ذلك، ولأن الرئيس الشهيد رفيق الحريري يحملُ فكرة الدولة ومشروعها، فهو سعى بدعم من شطر كبير من اللبنانيين الى “توسيع” حيّز الدولة في الجنوب، أي عمل من أجل ترجيح الدولة ـ والجيش ـ في إطار ثنائية لم يكن ممكناً إلغاؤها في ظروف الوصاية السورية. وفي هذا الإطار، كانت محاولاته توسيع نطاق حضور الجيش والقوى الأمنية جنوباً.

 

وكانت له مواقف تعبّر عن انزعاجه الشديد من عدم تمكين الدولة من بسط سيادتها على كامل أرضها.


إذاً، على حياة الرئيس الحريري، كان تفاهم نيسان 1996 الذي أسّس ثنائية لمصلحة الجيش، وكان السعي بعد الـ2000 الى توسيع حيّز الدولة بل ترجيحه في ثنائية مستعصية على الإلغاء.


التاريخ والتراث


وإذا كان كل ما سبق ذكره يهدف في آن الى استعادة مدققة للتاريخ وإلى انصاف الرئيس الشهيد، وإلى التذكير بأن الرئيس الحريري لم يكن عضواً في “حزب الله” كما يُخيّل لمن يستمع الى قراءات “حزب الله” لمواقفه أو ترويجه لمواقف يقول الحزب ان الرئيس الشهيد أدلى بها “داخل” لقاءاته مع الأمين العام السيد حسن نصر الله، بل كان رجل الدولة.. فان ما لا مفرّ من قوله هو ان التطورات التي أعقبت جريمة اغتيال الرئيس الحريري أتت تصب في الاتجاه الذي سار نحوه أي انتهاء الثنائية والسيادة الحصرية للدولة على الجنوب وسائر الأراضي اللبنانية.


انتهاء الثنائية والـ 1701


لو كان الرئيس الحريري لا يزال حياً لاعتبر ان الثنائية التي سعى الى إرسائها من خلال تفاهم نيسان 1996، ثم التي سعى الى تطويرها بعد العام 2000 لصالح الدولة والجيش وترجيحاً لهما، هي اليوم ضد الدولة والجيش وأن لا مجال لاستبقائها.


ما “يحكم” الوضع في الجنوب اليوم بعد حرب تموز 2006 هو القرار 1701. وهذا القرار أقر بإجماع مجلس الوزراء وبمشاركة وزراء “حزب الله” آنذاك. ولا مجال للالتباس فيه، لأن السيادة في الجنوب هي للدولة بواسطة الجيش المنتشر حتى الحدود الدولية، وقوات “اليونيفيل” المعززة ليست خارج سيادة الدولة بل جزء من السيادة اللبنانية لأنها مطلوبة من لبنان بقرار سياديّ وتساعد جيشه وتحمي مواطنيه.


إذاً، بين تفاهم نيسان 1996 وما بعد العام 2000 وصولاً الى الـ 1701 مسار تراكمي يجب القول ان الرئيس الحريري أسسه وأطلقه. والأصل في هذه المحطات هو اتفاق الطائف. ومن يريد ان يقرأ تاريخ الرئيس الشهيد ـ على قصره الزمني ـ عليه ان يربط الطائف بتفاهم نيسان بالقرار 1701 في فكره وعمله ومشروعه. ذلك انه لا يجوز التعاطي انتقائياً مع تراثه ذي الحلقات المترابطة.


الجنوب وأخطار اللحظة


بطبيعة الحال، ان ما تقدم ضروري جداً ليس بمناسبة مرور إثني عشر عاماً على تفاهم نيسان بل في ظل ما يشهده الجنوب من أخطار في هذه الأيام.


سيقال “لنا” أن لا خطر الا الخطر الاسرائيلي وأن لا خطر داهماً إلاّه. غير ان ما يحصل من طرف “حزب الله” في الجنوب تسلحاً وتحركاً عسكرياً واستنفاراً ومناورات وتدريبات قتالية، يشكل خطراً. فهو مناقض للقرار 1701 وللإجماعات الوطنية وتحميلٌ للبنان ما لا قدرة له على احتماله.. ومغامرة. ولا يغيّر في واقع الخطر أن يحمل “حزب الله” على تقارير الأمم المتحدة ويتهمها بالانحياز أو بأنها تستند الى معلومات اسرائيلية، ذلك ان ما يحصل خرقاً للقرار 1701 مكشوف للعيان ويدل عليه أبناء الجنوب ومناطق لبنانية أخرى.


نعم، أجرى الرئيس الحريري قبل استشهاده حوارات مطولة مع السيد نصر الله. وما ينقل من جانب الحزب عن تلك الحوارات لا ينسجم مع تفكير الرئيس الشهيد. فأن لا يكون الرئيس الشهيد مؤيداً للتوصيفات الأميركية والغربية والاسرائيلية للمقاومة، وأن لا يكون مع “نزع” سلاح المقاومة وأن يكون مع الاستفادة من المقاومة تعزيزاً للقدرة الدفاعية اللبنانية “شيء” وأن يكون مع تأبيد حالة “المقاومة الاقليمية” من لبنان “شيء” آخر. فهو استشهد من أجل الدولة وكان مدركاً أن لا قيامة لها الا باستقلال لبنان الناجز.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل