حين تفيض “النيات الحسنة”!
نبيل بومنصف (النهار)
يزخر تاريخ الازمات في لبنان، اقله في العقود الثلاثة الأخيرة، بفائض هائل من “اعلانات النيات” التي غالباً ما كانت تفضي الى الخلاصة الرتيبة الابدية – الأزلية نفسها، وهي استحالة اجراء تسوية داخلية لا تسبقها صفقة او تسوية خارجية، وتالياً افتضاح عجز القوى الداخلية عن التحلل من الارتباطات والتبعيات الخارجية. ولم يكن اللجوء مرة الى “النيات الحسنة” الداخلية إلا وليد استسلام لظاهرة انفجار الازدواجية بين المعلن والمكتوم، والظاهر والمبطن، تماما كما هي حال لبنان اليوم الذي يعاني في فراغه الرئاسي والدستوري ظواهر الانفجار الاكبر للنيات المضمرة والمعلنة حيال اتفاق الطائف بعد 19 عاماً من وضعه.
واذ يعود الرئيس نبيه بري الى توسل “اعلان النيات” سبيلاً لاحياء طاولة الحوار في مجلس النواب واغواء الموالين بخفض شكلي للالتزامات التي ترتبها هذه العودة، فانما يوفر في محاولته الجديدة فرصة للبنانيين لمعاينة الباطنية والازدواجية في السلوك السياسي الذي يحكم ازمتهم الخانقة.
فهذه الازمة تحديداً لم تكن يوماً الا ازمة نيات في الدرجة الاولى، بدليل انها لم تفتقر مرة الى “اعلانات” مسرحية وشكلية. الرئيس بري نفسه وفّق مرات ومرات في جولات حوار وتشاور ذهبت اوراقها ادراج الرياح. الفرنسيون وفقوا في مؤتمر سيل سان – كلو الأشبه بخلوات جنيف ولوزان في الثمانينات، وتبخرت النيات الحسنة في اليوم التالي. السويسريون الهموا زعماء الأزمة وحملوهم على انتداب ممثلين لهم مرات عدة الى هدأة حوارات “فكرية” عميقة في ربوع سويسرا الخلابة، حيث وضعت أوراق وصيغت مواثيق “نظرية” من وحي الحياد الايجابي والصيغة الفيديرالية بمعناها التوحيدي وليس التقسيمي، ولم تصمد ساعات بعد كل جولة. جامعة الدول العربية استهلكت عبر موفدها وأمينها العام ألوف الصفحات والمحاضر كما الشهور وربما السنين، في صيغ متقلبة ومتغيرة ومتطورة، ولم تفلح لأنها عجزت عن الولوج الى النيات الحسنة لدى العرب المتورطين كما لدى الزعماء المتصارعين سواء بسواء. العالم الغربي، بل المعسكر الغربي المستنفر لمنع انهيار لبنان، لم يتأخر بدوره عن إسناد الجامعة، فكانت “وثيقة الكويت” أخيراً “قيمة مضافة” بكل الألق اللازم لتحفيز النيات الاستقلالية لدى اللبنانيين قبل أن يضربها الوهن والارهاق في الذكرى الثالثة لانسحاب الجيش السوري من لبنان.
يرتع اللبنانيون بكل هذا الفائض من الوثائق المعلنة والنيات الدفاقة ولا تبرح الازمة مكانها، بل تعود القهقرى، لكأنهم في قلب معادلة غريبة لا تشبه الا كون لبنان ممزقاً بين تصنيفه واحداً من أكبر البلدان مديونية في العالم مع دين اسطوري يفوق الـ45 مليار دولار، فيما تشارف ودائع المصارف بلوغ رقم قياسي يناهز المئة مليار دولار في نهاية السنة الجارية. فما نفع هذه النعمة بجريرة تلك النقمة؟ وأي قيمة أو جدوى لاعلان نيات آخر فيما الافعال أمّارة بـ”حسن المقاصد”، ولا يحصد لبنان من هذا الفائض المتفجر بالتناقضات وسياسات التعطيل الاّ احتضار النظام وموته البطيء بفعل النيات الحسنة؟