مسؤولية المجتمع الدولي أمام تهديدات الظواهري للبنان و«اليونيفيل»
راغدة درغام (الحياة)
كلام الرجل الثاني في تنظيم «القاعدة»، أيمن الظواهري، أن لبنان سيكون له «دور محوري» في «المعارك المقبلة مع الصليبيين واليهود»، يجب أن يؤخذ ببالغ الجدية من قبل الولايات المتحدة وكذلك الأسرة الدولية. فلقد سبق لواشنطن أن تلكأت في الإصغاء جيداً لرسائل الرجل الأول في «القاعدة»، أسامة بن لادن، عندما هدد بضرب المعالم والمصالح الأميركية، فاستفاقت على صدمة 11/9 حين أسقط الإرهاب برجي الاعتزاز والشموخ الأميركي. سبق لها أن اكتسبت سمعة سيئة وخطيرة أنها تكون يوماً في منتهى الالتزام والانصباب على مسألة تعتبرها ذات أهمية مصيرية، وفي يوم آخر تتصرف بانزعاج مما يتطلبه منها مثل هذا الالتزام وتقع في كسل عارم يفقدها بصيرة التفكير. انما ليست واشنطن وحدها من سيدفع ثمن أي تجاهل لما يحدث على الساحة اللبنانية، بل ان الأمم المتحدة بكاملها ستخسر كثيراً وبكلفة غالية لو ترددت في الخطوات الضرورية نحو لبنان الذي بات مشروعاً دولياً.
ولأن المسألة اللبنانية لا تقتصر على موضوع لبنان الداخلي وانما تتكّون أساساً من أكثر من صراع اقليمي ونزاع سياسي وطموح للهيمنة يضم أمثال «القاعدة» وايران وسورية واسرائيل، فأكبر خطأ يمكن ارتكابه هو اختزال المسألة اللبنانية الى خلافات بين زعامات أو صراعات طائفية. فالساحة اللبنانية باتت مرشحة جدياً للتحول الى ساحة معارك لتنظيمات على نسق «القاعدة» لبعث ايديولوجيتها التدميرية، وللفصائل الفلسطينية التي تقسم الولاء لسورية، وللميليشيات اللبنانية ذات الانتماء والولاء لإيران وليس للبنان، ولاعتداءات اسرائيلية بذرائع وحجج مختلفة، فيما تتجنب الحكومات الاسرائيلية المتتالية السلام واستحقاقاته.
هناك تلاقٍ، بالطبع، بين بعض هذه الأطراف التي تزعم أنها ولية أمر «المقاومة». انما هناك ايضاً تنافس في ما بينها على زعامة «المقاومة» التي تغلق سورية الأبواب في وجهها على امتداد أوسع جبهة للمقاومة على الحدود السورية – الاسرائيلية، فيرتد الخائبون على لبنان وإليه.
والآن، وقد أعلن الظواهري «محورية» دور «القاعدة» في لبنان، يجب على الأمم المتحدة، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وروسيا، وعلى دول منطقة الشرق الأوسط أن تتبنى استراتيجيات جديدة، فوراً، قبل أن يتحول لبنان الى عراق آخر، بعدما تم استدعاء الإرهاب إليه عبر الجار نفسه الذي سهّل طريق «القاعدة» الى العراق.
هذا الجار لم يهاجمه الظواهري لأنه في حاجة إليه علماً أن طريق المرور لأمثال «القاعدة» الى لبنان يكاد ينحصر بسورية، لكن الظواهري هاجم إيران وحليفها اللبناني «حزب الله» منتقداً تلفزيونه «المنار» و «وسائل الإعلام الايرانية» معتبراً أن غرض ايران واضح، وهو «التغطية على تواطئها مع أميركا في غزو ديار المسلمين في افغانستان والعراق».
كان الظواهري، عملياً، يدعو «الجيل الجهادي» في لبنان الى منع تحويله الى قاعدة ايرانية لأن «أهل السُنّة» يريدون الجبهة اللبنانية «للوصول الى فلسطين». وكان أيضاً، فعلياً، يفتح جبهة على قوات الأمم المتحدة المعززة في لبنان (يونيفيل) وعلى مجلس الأمن الذي تبنى القرار 1701 الذي عزّز القوات الدولية ووضع أسس وقف النار بين اسرائيل و «حزب الله».
منافسة «القاعدة» لإيران، كما منافسة الميليشيات التابعة لإيران في العراق ولبنان لـ «القاعدة»، تأتي وتذهب شأنها شأن التنسيق وتبادل الأدوار عندما يناسبها الأمر جميعاً، انما دخول الظواهري علناً الساحة اللبنانية بمثل هذه «الحروب» فيها، أمر يجب التنبه جدياً إليه والتفكير بوسائل إيقافه وإيقاف مسيرة تحويل لبنان الى قاعدة ايرانية أيضاً في آن.
أول ما على مجلس الأمن والأمانة العامة للأمم المتحدة والحكومات الأميركية والروسية والأوروبية والعربية أن تفعله هو اتخاذ قرار بمنع تحويل لبنان الى دولة فاشلة وإبلاغ كل من يعنيه الأمر بأن هذا خط أحمر لن يُسمح بتاتاً به.
هذا يعني بالضرورة اتخاذ مواقف صارمة من النظام السوري الذي يثابر على العمل الدؤوب على إنهاك لبنان وشل مؤسساته الدستورية كي يتحول الى دولة فاشلة. وحلم هذا النظام هو أن يضطر العالم الى التوسل إليه ليعود الى لبنان بقواته العسكرية ليضبط الأمور فيه بعدما يكون حوّله الى دولة فاشلة. وهو يراهن في ذلك على الوهن الأميركي والفرنسي، وعلى عجز الأمم المتحدة، وعلى اللعب على الوقت لإرهاب الجميع وإرغامهم على الرضوخ للأمر الواقع، لكنه سيفشل.
وكي لا تستفيق واشنطن أو باريس على مفاجأة مكلفة توقظهما من الاسترخاء تعباً أو مللاً من موضوع لبنان، أول ما على وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس ونظيرها الفرنسي برنار كوشنير أن يقوما به هو اصدار التعليمات الى السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة زلماي خليل زاد والفرنسي جان موريس ريبير بتنشيط جهودهما بحيوية في المنظمة الدولية. فلقد أصاب الديبلوماسية الأميركية والفرنسية لدى الأمم المتحدة بعض الكسل والسأم، الأمر الذي قد ينعكس رسالة يفهمها المعنيون بأنها تصريح لهم للمضي في خروقات وانتهاكات القرارات الدولية بلا محاسبة أو عقاب. فلأن لبنان هو مشروع دولي ومسؤولية ذات خصوصية تقع على أكتاف الأمم المتحدة، فإن الأمم المتحدة هي النقطة الأساسية في هذا الملف.
آليات العمل الضروري موجودة والأطر الزمنية الضرورية متاحة في القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن وفي التقارير التي يطلبها مجلس الأمن من الأمين العام بان كي مون. هذه التقارير ليست سطحية أو هامشية وانما هي في شأن قرارات تتعلق بوقف النار بين اسرائيل و «حزب الله»، وحظر تدفق السلاح والمسلحين عبر الحدود السورية – اللبنانية بموجب الفصل السابع من الميثاق كما في القرار 1701، ومنع ايران من تصدير سلاحها الى تنظيمات وميليشيات مثل «حزب الله» كما في القرار 1747. وتتعلق بالانتخابات الرئاسية اللبنانية التي تعطلها سورية وحلفاؤها في لبنان وبممارسة الحكومة اللبنانية حقها بالسيادة لضمان استقلال لبنان التام، كما في القرار 1559. تتعلق بضرورة تجريد جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية من السلاح كما في القرار ذاته، 1559، الذي ساهم في اتخاذ الإرهابيين قرار اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري لأنه لعب دوراً رئيسياً في صوغ هذا القرار.
أما في ما يتعلق بإنهاء أنماط الإفلات من العقاب وإنشاء سابقة محكمة دولية لمعاقبة الضالعين في اغتيال الحريري ورفاقه وفي اغتيالات سياسية أخرى في لبنان، فإن الميكانيزم واضح. وكل ما يحتاجه رئيس التحقيق الدولي، دانيال بلمار، هو مهنية وجرأة اعتماره قبعة الادعاء العام المكلف به والتي تسمح له بالاستمرار في التحقيق على أي حال.
ميكانيزم وآليات القرارات والمحكمة يجب أن ترتبط بعلامات زمنية حاسمة وانذارية، مدعومة بالاستعداد لاجراءات عقوبات اقتصادية وغير اقتصادية تعزل الذين يرفضون الإذعان للقرارات الدولية.
أي، لتتوقف الديبلوماسية الأميركية والفرنسية عن أنماط الإرضاء والتنازل والليونة والتراجع والاكتفاء ببيانات بلا أسنان، حاملة، كتبرير وذريعة، شعار «الاجماع».
صحيح أن هذه الأساليب نجحت في ضمان الشراكة الروسية والصينية والليبية والجنوب افريقية في ايصال رسائل واضحة تنطوي على الدعم لصلب القرارات التي وضعت آليات المراقبة والمحاسبة والعقاب. انما الوقت الآن يتطلب أكثر من إرضاء سفير جنوب افريقيا دوسامي كومالو الذي يتحامل على لبنان تكراراً زاعماً أنه لا يريد التدخل الدولي، متناسياً أنه في منصبه تماماً بسبب التدخل الدولي في جنوب افريقيا.
الاستراتيجية الضرورية الآن تتطلب الجرأة على المواجهة، مدعومة بالجرأة على اجراءات عقابية غير خاضعة للإجماع على نسق حشد أكبر قدر من الدول الأوروبية لاتخاذ قرارات ضد سورية اذا فشلت في تنفيذ ما يطلب منها في مواعيد محددة وعبر آليات القرارات الدولية. كما تتطلب الجرأة على مطالبة ايران، ومعاقبتها، في اطار خرقها لقرارات منع تدفق سلاحها الى «حزب الله» في لبنان. فطهران لن تتعاون في هذا الصدد لأنها تنفي أنها تقدم الامدادات العسكرية والأموال الباهظة لـ «حزب الله». لن تقدم طهران أية مساعدة لاقناع «حزب الله» بالتخلي عن سلاحه لأن ذلك السلاح مرتبط بطموحات القادة الايرانيين الذين يريدون تصدير نموذج الجمهورية الاسلامية الى دول المنطقة.
لذلك، فإن مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي مطالبان بعدم حصر معاقبة ايران بتحدياتها للملف النووي وانما معاقبتها بصفتها مساهمة مباشرة في مؤامرة تحويل لبنان الى «دولة فاشلة». وروسيا لن توافق على مثل هذه الاجراءات في مجلس الأمن لأنها تلعب دور الحامي لإيران وسورية من العقاب. انما هذا يجب ألا يمنع فرنسا والولايات المتحدة من حشر روسيا والصين والدول الصغرى في مجلس الأمن في خانة الاحراج، والاصرار على الدول الأوروبية لفرض اجراءات العزل والعقوبات على ايران و «حزب الله» وسورية وكل مساهم في مخطط تحويل لبنان الى «دولة فاشلة».
حان وقت إيضاح الخطوط الحمر لكل من يعنيه الأمر في لبنان، لأن المرحلة الآتية خطيرة ولأن لعبة الألاعيب على الفراغ وكسب الوقت باتت تربة خصبة لأمثال «القاعدة» وليس فقط للطموحات الايرانية – السورية في لبنان.
توجد حاجة الآن الى استراتيجية استباقية تفرّغ تكتيك الفراغ من مفعوله. استراتيجية استباقية تجعل الوقت في صالح الحكومة اللبنانية والدولة اللبنانية. وهذا يتطلب المساهمة الفعلية بدعم سخي للحكومة كي تتحمل مسؤوليات الحكم والاعتناء بالمواطنين، وللجيش كي يتمكن من إيقاف زحف «القاعدة» والفصائل والميليشيات عليه ليكون القوة العسكرية الوحيدة في البلاد.
وبما أن اسرائيل جزء مما يحدث للبنان، فهي تغازل الحكومة السورية وتحرص على بقاء النظام صمام أمان لها. يجب على الولايات المتحدة وأوروبا والأمم المتحدة أن تطالبها، بعزم وحزم وجدية، أن تكف عن احتلال قرية الغجر، وعن انتهاكاتها الجوية للبنان بأعذار واهية، وعن رفضها الانسحاب من مزارع شبعا – التي تعترف بأنها أرض عربية محتلة – لوضعها في عهدة الأمم المتحدة فيما تستمر الضغوط الدولية على سورية لترسيم حدودها مع لبنان لتقرر لمن تتبع هذه المزارع التي يزعم «حزب الله» انه يحوّل لبنان الى قاعدة مقاومة لتحريرها.
فالأمم المتحدة معنية مباشرة الآن بضرورة تبني استراتيجية متماسكة وصارمة لا سيما أن الظواهري دعا الى عمليات ضد قواتها. واجب الأمين العام بان كي مون أن يتبنى اسلوباً جديداً غير ذلك المكفف بالديبلوماسية المبالغ بها. واجبه أن يطالب بصوت عال وتكراراً باحترام مطالب مجلس الأمن وأن يسمي الأمور بأسمائها ويحمّل الدول مسؤولياتها. واجبه أن يقرن تقاريره الخطية بمطالب شفوية تضغط على سورية وايران واسرائيل وكل من يتطاول على لبنان لتحويله «دولة فاشلة».