#adsense

تكتيك؟

حجم الخط

تكتيك؟
علي حماده – النهار

 

هل جاءت خطوة الرئيس السوري بشار الاسد بتحريكه الدراماتيكي لملف المفاوضات مع اسرائيل ردا تكتيكيا على واقع العزلة الكبيرة التي يواجهها نظامه، والتي ترسخت عربياً خلال القمة العربية في دمشق وبعدها؟ السؤال مطروح على اكثر من صعيد وخصوصا ان معطيات عدة تراكمت على اللوحة السورية، أهمها :


1 – فشل القمة العربية في دمشق في اعادة تأهيل الرئيس بشار الاسد بفعل المقاطعة الواقعية للدول العربية الكبرى، ومنع الاسد من استغلال رئاسته للقمة كما تبين من خلال اجتماع “اصدقاء لبنان” العربي والدولي في الكويت الذي عقد على هامش اجتماع دول الجوار العراقي. وهذا في ذاته جعل الرئاسة السورية للقمة مجرد رئاسة نظرية. ولعل الملفات الخلافية الساخنة بين الاسد والشرعية العربية من لبنان الى العراق ففلسطين، واخيرا الاختراق الايراني الخطير، ادت الى اقتناع القادة العرب الكبار في السعودية ومصر والاردن ومعظم الخليج العربي بأن الاسد الابن ليس اهلا للثقة، وانه محترف نكث عهود على غير ما كان عليه والده. ولم يعد القادة العرب يخفون رأيهم، بل ان بعضهم اخذ يستدعي شخصيات اعلامية مرموقة ليسر اليها برأيه في شخص الرئيس بشار الاسد في مستويات مختلفة، وهذه سابقة في نمطية العلاقات بين الانظمة العربية.


2 – لم يتبدل الموقف الاميركي الفعلي من النظام السوري، ولا سيما بالنسبة الى المسألة اللبنانية. وبات الاسد مقتنعا ان لا مجال لإحداث خرق فعلي في الموقف الاميركي في عهد الرئيس جورج دبليو بوش. ومن هنا تعويله على الانتخابات الاميركية المقبلة ولا سيما على وصول الديموقراطيين الى البيت الابيض، باعتبار انهم سيعيدون ربط العلاقة بالنظام في دمشق آخذين في الاعتبار مصالح سوريا في لبنان، اي القبول بنفوذ سوري في لبنان.


3 – على رغم المعركة الضارية التي خاضعها النظام السوري في لبنان عبر جماعاته ولا سيما عبر “حزب ولاية الفقيه” المستتبع لايران ضد المحكمة الدولية، وتأخر المحكمة اشهرا عدة ترأس خلالها لجنة التحقيق الدولية القاضي سيرج براميرتس الذي تحوط بعمله علامات استفهام كبيرة، لم تتوقف مسيرة المحكمة التي باتت قريبة جداً، بعدما جرى حل مسألة التمويل. وقد تكون مساهمة دول عربية مثل السعودية ودول خليجية اخرى في تمويل المحكمة مؤشراً الى جديتها والى ان بشار الاسد فقد شبكة امان عربية ثمينة. ويدرك  الاسد الابن ان التحقيق توصل الى نتائج متقدمة جداً، وان اركانا اساسيين في نظامه ومحيطه المباشر سيكونون “نجوم” التقرير النهائي اي القرار الاتهامي للمدعي العام بيار بيلمار. وهذا في ذاته يمثل تحدياً مصيرياً له ولنظامه، خصوصاً في ظل تكثف المعلومات عن اهتزازات خطيرة في الداخل.


4 – شعور الرئيس السوري ان الرئيس الاميركي جورج بوش، الذي تدخل ولايته اشهرها الاخيرة، يعيش لحظات دقيقة يدرس خلالها خيارات مصيرية بالنسبة الى البرنامج النووي الايراني، ويدور تفكيره حول اذا كان سيترك لخليفته في البيت الابيض ايران تكاد تصبح نووية، ام انه سيندفع لتصفية البرنامج النووي. وخوف الاسد هنا مزدوج: ان تُضرب ايران وهو تابعها، او ان يستسهل بوش ضرب سوريا لكسر جسر الاختراق الايراني الاساسي تمهيداً لعزلها كلياً.


5 – ثمة مراقبون تواصلوا مع عدد من القادة العرب الكبار في الاسابيع الاخيرة، وربطوا الحركة التفاوضية الدراماتيكية الاسرائيلية – السورية بخيار استراتيجي لدى اسرائيل يتلخص في المحافظة على النظام السوري حتى اشعار آخر. وهل من “جزرة” اهم من التلويح بانطلاق مفاوضات سلام لمنع الرئيس الاميركي من التفكير بعمل ما ضد النظام السوري، في حين تبني الادارة الاميركية الملف السوري لاسلحة الدمار الشامل (مفاعل دير الزور الكوري الشمالي)؟


6 – فشل الانقلاب في الداخل اللبناني. وقد ادركت ايران التي تبقي “حزب ولاية الفقيه” في احتياطها الاستراتيجي ان الذهاب أبعد في الانقلاب ميدانيا سيتحول حرباً اهلية لن يسلم منها حزبها اللبناني، وان يكن الاقدر عسكرياً وامنياً. لكن انفلات الوضع سيجعل المواجهة مواجهة مذهبية تؤدي حكما الى تعطيل كبير لوظيفة الحزب، والى نزع ما تبقى من غطاء شرعي يستغله تحت ستار الشرعية اللبنانية، وهو العامل في الوقت نفسه على تقويضها بمنهجية.


هل يبغي الاسد من خلال تسخين طبق المفاوضات ان يستخدم ورقة استراتيجية لاغراض تكتيكية تكسبه وقتاً ثميناً من الآن الى ان يزول خطر الضربة الاميركية نهائياً؟ ام انه يرمي بالورقة متحداً متضامناً مع الاسرائيليين في محاولة لكسر زخم المحكمة الدولية؟ او انه بعد ايران يقابل عزلته العربية بطاولة مفاوضات مع اسرائيل لها وهجها الدولي؟


اياً تكن الاجوبة عن هذه الاسئلة يبقى ان زعيماً عربياً كبيراً قال امامنا قبل اسابيع: “ان كل يوم يمر يثبت فيه الرئيس بشار الاسد انه نسخة مقرصنة عن والده الرئيس حافظ الاسد”.


… اما نحن وان كنا نحتقر عهد الابن، فاننا لا نترحم على عهد الاب اطلاقاً!

المصدر:
النهار

خبر عاجل