#adsense

لا أوهام في قدرة القوى المحلية على عزل التسوية عن التعقيدات الإقليمية

حجم الخط

لا أوهام في قدرة القوى المحلية على عزل التسوية عن التعقيدات الإقليمية
“رقصة التانغو” بين بري وجنبلاط تخلط الأوراق لدى الغالبية والمعارضة

روزانا بومنصف



لا يخفي عدد من أركان قوى الأكثرية عدم حماسته للتجاوب مع دعوة الرئيس نبيه بري الى الحوار، ويجاهر بعضهم بذلك علناً، ليس لعدم الرغبة في الحوار أو لعدم الايمان بأنه الوسيلة الوحيدة للتوافق بين اللبنانيين، انما لاعتبارات اساسية ليس أقلها في الوقت الراهن ان تلبية هذه الدعوة اياماً عدة ومعدودة بعد اجتماع خصّص للبنان في الكويت على هامش مؤتمر دول جوار العراق وصدر على أثره بيان دعم مواقف الاكثرية الداعية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية قبل كل شيء، يجعل الجهود الدولية تبدو كأنها تذهب هباء. والواقع ان قوى الاكثرية لم تستثمر الزخم الذي أعطي لموقفها في هذا الاجتماع، بل على نقيض ذلك، ورغم تمنّي كل الدول والعواصم قيام حوار فعلي بين اللبنانيين يؤدي الى نتيجة. ولعل ما ساهم في تحفظ معظم اركان الاكثرية عن تلبية دعوة بري الى الحوار واتخاذ موقف ايجابي منها، هو تزامن تكرار بري دعوته الى الحوار في اليوم نفسه الذي عقد فيه اجتماع “اصدقاء لبنان” في الكويت وصدور بيان عنهم اعتبر تكريساً للتفسير الاصلي للمبادرة العربية على نحو يجزم بأولوية انتخاب رئيس الجمهورية من دون شروط، ثم الاتفاق على حكومة الوحدة الوطنية وقانون الانتخاب. ومع ان البيان تضمن اشارة واضحة الى تأييد الحوار الداخلي ومن ضمن المؤسسات اللبنانية، فلم يكن منطقياً بالنسبة الى هؤلاء ان تسرع قوى الغالبية الى استجابة دعوة بري، في حين يقف هذا المنتدى العربي والدولي الواسع بقوة مرة اخرى بجانب مطالب الغالبية.


من جهة أخرى لا يبدو واضحاً كيف ان الحوار الداخلي يمكن أن ينجح في ظل تعقيدات اقليمية أكثر صعوبة من أي وقت، بحيث يذهب التفاؤل عكس ما تم كشفه في واشنطن أو عواصم غربية وعربية من أن الحل بات صعباً جداً في لبنان هذه السنة، وجزء من ذلك كشفه الرئيس المصري حسني مبارك عما دار في اللقاء بينه وبين بري لدى استقبال الاخير في مصر، حيث بدا واضحاً للرئيس المصري ان لا جديد يبنى عليه يسمح بتغيير المواقف. وهو كان واضحاً في اعلان ذلك، أضف الى ذلك ان التجاوب مع دعوة بري يحدث ارباك في صدقية ما تطرحه قوى الاكثرية من نقاط خلافية أقرّ بها العرب أو غالبيتهم، وتتعلّق بطبيعة العلاقة اللبنانية – السورية كسبب رئيس للازمة وسط تحميل الغالبية ومعها المحور العربي والدولي الاكبر، دمشق مسؤولية تعطيل الانتخابات الرئاسية واستخدام الازمة اللبنانية ورقة مواجهة مع هذا المحور. ويعود فجأة جدول الاعمال او الحوار ليتضاءل الى حجم نقطتين تتعلقان في النهاية بالصراع الداخلي على السلطة. والعنصران الداخلي والاقليمي يتكاملان، ولا يلغي واحدهما الآخر، انما التوقيت أمر مهم وله حساباته ايضاً، وفق ما يرى هؤلاء.


ولا ينكر هؤلاء ايضاً ان نقطة القوة في دعوة بري هي كلمة الحوار في ذاتها، إذ ان أحداً في الداخل والخارج، حتى بين الداعمين بقوة للاكثرية، لا يمكنه رفض الحوار أو على الاقل محاولة الذهاب اليه مجدداً،  ولو كان مناورة أو تضييعاً للوقت وتعبئة الفراغ السياسي، على ما يرجح كثيرون، وخصوصاً ان الجميع يأخذون على القادة اللبنانيين عدم التواصل في ما بينهم على رغم الخلاف السياسي الداخلي الحاد بتشعباته الاقليمية، وتالياً، فإن بري يحرج الاكثرية في هذه النقطة بالذات دون سواها، ويرمي كرة استمرار الازمة أو عدم تخفيف تبعاتها في ملعب الاكثرية في حال عدم التجاوب مع دعوته، ويمكن فريق المعارضة توظيف ذلك بقوة حتى لو لم يقل هذا الفريق كلمته بعد بتأييد ما يذهب اليه بري.


وثمة من يسأل: ماذا يصدق اللبنانيون: قدرة الداخل على اجتراح الحل فجأة بمعزل عن غيوم العواصف التي تحبل بها المنطقة، وآخرها ما يتم تداوله من مخاوف وسيناريوات محتملة ومرتقبة بعد مغادرة الرئيس الاميركي جورج بوش المنطقة في 17 أيار المقبل عقب ا لجولة التي يعتزم القيام بها؟ أم يصدقون ان المسألة تتخطى قدرة الداخل على ما قاله المسؤولون في لبنان والخارج مراراً وتكراراً، ويتم ملء الفراغ بما أمكن من الكلام السياسي المخفف للاحتقانات والاختلافات؟


في أي حال، يلفت هؤلاء الى أن الحذر ازاء ما يعتبرونه “رقصة تانغو” تحصل بين بري وجنبلاط حالياً، ينسحب على أفرقاء في المعارضة يتعاملون مع دعوة بري على انها لعبة سياسية تحدث انقساماً بين اركان قوى 14 آذار، وتعيد الى بري بعضاً مما فقده نتيجة الانتقادات التي لحقت به من اغلاق مجلس النواب، مع اظهار حذر وتحفظ كبيرين بازاء النتائج المحتملة. ولكن ينبغي انتظار أمرين: موقف الغالبية في ضوء الاجتماع الذي سيعقد بين اركانها لاتخاذ القرار المناسب، وخصوصاً في ضوء التشديد على ان موقف ا لتجاوب مع دعوة بري هو للنائب وليد جنبلاط وحده، على ما أعلن وأوضح هو نفسه، ولأركان المعارضة الآخرين، أي “حزب الله” ورئيس “تكتل التغيير والاصلاح” النائب العماد ميشال عون، علماً ان جنبلاط واضح في تحديد مكسب عودة بري مرجعية للحوار مع المعارضة بدلاً من عون، مما قد يتسبب بارباكات داخل صفوف المعارضة، مماثلة لتلك الحاصلة في صفوف الاكثرية.


وفي ضوء ذلك، فإن الاهمية التي ستكتسبها الايام القليلة المقبلة هي تحديد مصير الحوار المقترح الذي قد يصبح في الدرجة الاولى متصلاً بكشف وضع الاكثرية والمعارضة بعد المدة الطويلة التي استنزفتهما عبرها الازمة واقتراب كل منهما من استحقاق اساسي بالنسبة الى وحدة صفوفهما، يتمثل بحسم الموقف من قانون الانتخاب.

المصدر:
النهار

خبر عاجل