#adsense

وجودية الايمان بالقيامة

حجم الخط

وجودية الايمان بالقيامة
 الأب ميشال سبع

 

وجودية (كير كجارد) تهيء الحلم لعيش اللحظة الحاضرة وتجعل الماضي يتجمع ليحضر بكل مكوناته فيكون الحاضر نقطة التواصل بين الماضي والمستقبل فليست اللحظة المعاشة منفصلة عما سبقها وما يمكن أن يلحقها وأهميتها أنها تتشارك بين الحواس والحس والاحساس، إنها لحظة الخلق واللذة والجمال إنها بكل بساطة لحظة الشعور بالأنا الأعلى تقارب الشعور بالألوهة في حين أن وجودية (سارتر) هو وضع الماضي على الرف واعتباره من مخلفات قديمة في قبو عتيق، واما المستقبل فهو مجرد احتمال لا يعوّل عليه كثيراً، أما اللحظة الوجودية فهي الواقع بكل مندرجاته الفجائية وقبوله يعني الحياة الحقيقية وبالتالي فعبث أن نضحي باللذة الحاضرة في سبيل مستقبل قيمي وعبث أن نضحي بها كذلك من أجل معتقدات تمنعنا من عيشها. وإذا كان شعار (ديكارت) أنا أفكر فأنا موجود فإن شعار (سارتر) أنا أعيش لحظة وجودي وبهكذا أبرهن عن وجودي ولا تكمن أهمية لحظة العيش في مردودها اللذوي أو الألمي بل أهميتها أنها تبرهن عن وجودي في الحياة وحريتي في استعمالها. لذا كان (سارتر) منطقياً مع نفسه عندما اعتبر الله نفسه قد قام بفعل لحظوي حر عندما خلق الانسان لكنه بعد انقضاء اللحظة لم يستطع فعل شيء ما تجاهها يقول (سارتر): “لقد خلقني حراً، ولن تستطيع بعد أن تسلب حريتي”، إذاً الحرية قرار بفعل ذاتي ولكنه ليس قراراً يلغي قراراً يتعلق بحرية الآخر، لذا، فالآخر هو عذاب دائم للذات الحرة “الآخرون هم الجحيم”، هذه المواقف والآراء (السارترية) التي عبر عنها صاحبها في مؤلفاته المسرحية كـ(الذباب)، (الجدار)، تلغي أية إمكانات تاريخية لذاكرة الشعوب، لا بل تصبح ثقافة الشعوب وحضارة الشعوب هي تلك التراكمات الناتجة عن استعمال حريتها بغض النظر عن المنحى الايجابي أو السلبي الناتج عنها. لذلك كان موقفه واضحاً من تأييد الشباب الجامعي في ثورته عام 68 لا بل ربما الثورة نتاج آراء سارتر، وكذلك موقفه من الثورة الجزائرية حيث كان تأييده لها نابعاً من تأييده لحرية الشعوب بالمطلق.


الأفكار الوجودية ليست بعيدة عن جوهرا المسيحية، رغم أن عقيدتها معارضة لها، فالمسيحية ليست وليدة لحظة بل هي تحضير تاريخي نبوي لحضور المسيح التاريخي وهي انتظار دائم للإلتقاء به في اليوم الأخير، هي تواصل والانسان ليس فردياً رغم أن خلاصه فردي، إنه عضو في جسم جماعة الكنيسة، وهو مدعو لنيل النعمة من خلال صلاة الجماعة والمشاركة في سر الافخارستيا.


لكن المسيح لا يخلو من دعوات وجودية اذ يدعو الانسان ان يتحرر من عبودية المركز والمال، ومن القوانين والنواميس، هو الداعي لأن يكون السبت لأجل الانسان، وهو الداعي للانسان الا يفكر كثيراً بما يأكل أو يشرب أو يلبس فمن اعطى طيور السماء قوتها قادر ان يلبي حاجات الانسان لا بل هو يدعو للتحرر من عبودية التعلق العاطفي بالأب والام والاخ والاخت من اجل حرية التواصل مع المسيح الاله المتجسد. والمسيح نفسه عاش مجسداً فكرة الوجودية، فهو لم يبحث عن مأوى “ليس لابن الانسان مكان يضع عليه رأسه” ولا عن منصب “للعالم اراكنه يسوسونه، أما أنتم فلا يكون الامر كذلك بل من اراد ان يكون سيداً فيكم فليكن خادماً لكم”، ولا عن ملك وسلطان “مملكتي ليست من هذا العالم”. ولم يبحث عن مراهنة او توافق مع رجال الدين بل هاجمهم لانهم يحبسون الناس في قمقم القوانين” فشتمهم “يا اولاد الأفاعي” وحقرهم “انتم كالقبور المكلسة”. هذا الثائر عادت العقيدة المؤسسة فوضعته ضمن قوانينها وحكمت باسمه فباعت اراضي السماء في زمن انحطاطها وقتلت وشردت وحاربت الالاف من الناس باسم سيدها بغية ان تحكم وتتسلط في بعض زمانها.


بين وجودية المسيح ووجود المؤسسة عبور معاكس الى ما قبله، فهو في بعض الصلوات تذكر واحضار، وفي بعض الطقوس انتظار ومرتجى، أما الحضور فالمؤمن يدعو اليه للتلاقي مع المسيح، ورغم ان هناك حجاباً وحراساً الا ان اللقاء هو وجودي بامتياز. ولكي يكون هذا الوجود حرا، وجب ان يخرج الانسان من قوننة وجوده الى ذاتيته العاطفية حيث اللقاء لا يتم مع مسيح التاريخ ولا مع مسيح المرتجى بل مع المسيح الحي القائم من بين الأموات.


من هنا تكمن اهمية المسيحية في اعتبارها قائمة على نقطة مركزية فيها هي القيامة، فتجسد المسيح هو سر عظيم والفداء سر عظيم لكن القيامة هي الأساس، فلو ان التجسد انتهى بمرحلة تاريخية لكان الايمان به اشبه بالايمان برسالة سماوية وكفى، ولو ان الفداء انتهى بالموت والشهامة لكان الايمان به ايماناً برسول وحبيب. لكن الايمان بالله متأنسن تجاوز الموت ليبقى حياً عبر الدهور فهذا ما يتخطى كل الايمانيات ويعطي فرادة حقيقية للمسيحي المؤمن بذلك.


ولأن المسيح حاضر في حياة المؤمنين به، لذا، فالمؤمن بهذا الحضور يعيش لحظة حياته بالتحام دائم معه، عندها لا يمكن للمؤمن الاّ يكون محباً ولا ان يكون حاقداً او محتقراً او مهملاً أو رافضاً اي انسان آخر في حياته ما دام مقتنعاً ان كل آخر هو ايضا في تماس مباشر مع الرب الذي يعبده ويؤمن به.


المسيحي المؤمن بقيامة المسيح وحضوره الدائم لا يعرف إلا الحرية ولا يقبل بها منقوصة، وحتى الحب لا معنى له دون حرية كما ان الحرية لا معنى لها دون حب. وبالتالي فالمسيحي المؤمن بمسيحه الحي يناضل من أجل ديمومة حريته بسلام ومحبة، ويعتبر كل لحظة لا يحب فيها افتقاد لقيامة المسيح لديه.


للقادة السياسيين المسيحيين في لبنان ان يقولوا إنهم ينتمون إلى المؤسسة الكنسية المسيحية لكن ان يقولوا انهم مسيحيون يؤمنون بالمسيح القائم بينهم فهذا يرتب عليهم تغييرات كثيرة في سلوكياتهم وخطاباتهم وحياتهم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل