زوابع في الفناجين؟!
راجح الخوري
هذا السنونو التركي الذي يحوّم الآن في فضاء المنطقة لا يستطيع ان يصنع ربيعاً يبدو مستحيلا بين سوريا واسرائيل.
اذاً ثمة حاجة مشتركة ساعدت حتى الآن في ضخ هذه الكمية من ضباب التفاؤل الذي لن يلبث ان يزول. والحاجة المشتركة هنا لا تعني بالضرورة انها متطابقة، بل يعني انها تتقاطع في زمن واحد رغم تعارضها الجوهري.
كيف؟
اولاً: واضح ان ايهود اولمرت يتعرض الآن لإلحاح اميركي متزايد هدفه اعطاء ما يساعد على الايحاء أن الرئيس جورج بوش يدفع جاداً لترجمة رؤيته حول مشروع الدولتين ووعود أنابوليس.
وبعد سبع زيارات متلاحقة قامت بها كوندوليزا رايس الى فلسطين المحتلة وسلسلة من اللقاءات العجفاء بين أولمرت والرئيس محمود عباس، بدا ان كل ما قيل عن تحقيق اختراق قبل نهاية عهد بوش مجرد اوهام.
الآن عشية وصول الرئيس الاميركي الى المنطقة منتصف هذا الشهر، تتعرض حكومة الاحتلال في تل ابيب لمزيد من الضغوط الاميركية لايجاد حال من التهدئة في غزة التي تتعرض لمذبحة مفتوحة وهو ما لا يتلاءم دعائياً مع زيارة بوش!
وسط هذا الجو المحتقن لم يجد أولمرت ما يفيده في التملص من احراجات المسار الفلسطيني، اكثر من استحضار المسار السوري وابداء الاستعداد للانخراط في مفاوضات يقال انها قد تؤدي الى اعادة الجولان الى سوريا.
ثانياً: واضح تماما ان سوريا تعاني عزلة قاسية عربيا ودوليا، وتتعرض لضغوط دولية متزايدة بسبب مواقفها في العراق ولبنان وفلسطين وتحالفها مع ايران. ومن المعروف في هذا السياق ان الولايات المتحدة الاميركية عارضت بحزم حتى الآن قيام مفاوضات اسرائيلية – سورية ما لم تستجب دمشق الى المطالب المتكررة التي تدعوها الى الكف عن التدخل في العراق ضد الاميركيين، والامتناع عن تعطيل التسوية في لبنان، وانهاء دعمها لحركة “حماس” بما يمنع الحل بين الفلسطينيين.
ووسط هذا الجو الخانق تحاول دمشق ان تحقق اختراقا يساعدها اقليميا ودوليا عبر تكليف تركيا القيام بدور وسيط يحاول رعاية المفاوضات التي تريد لها ان تستأنف مع اسرائيل.
ثالثاً: واضح ايضا ان تركيا التي تحالف اسرائيل باتت ترتاح الى السياسة السورية في المسألة الكردية الحيوية عندها وتحديدا منذ قصة عبدالله اوجلان. وواضح ايضا انها تريد ان تضطلع بدور اقليمي محوري في موازاة الدور الايراني المتنامي. وهذا ما سيجعلها ممسكة بأوراق حيوية ومهمة في نظر الاميركيين اولا، والاوروبيين ثانيا، والروس ثالثا.
لذلك ليس غريبا ان يتحمس رجب طيب اردوغان للقيام بوساطة حماسية مع اسرائيل بناء على طلب من الرئيس بشار الاسد يعود كما نشر امس الى عام 2004، وخصوصا ان هذا التحرك يدعم حكومته داخل تركيا عينها!
رابعاً: واضح ايضا وايضا، ان الاميركيين يعرفون جيدا ان المطالب التي نقلها اردوغان من اسرائيل الى سوريا لا تخرج عمليا عن الشروط التي وضعتها الادارة الاميركية اي:
إبعاد رئيس المكتب السياسي لحركة”حماس” خالد مشعل من دمشق، ووقف كل المساعدات المقدمة الى هذه الحركة.
وأهم من هذا، الانفكاك من التحالف مع ايران والامتناع كلياً عن مساعدة “حزب الله” ولعب دور جسر بينه وبين طهران.
ويعرف الاميركيون جيدا ان أيهود اولمرت يواجه صعوبات في مسألة الانسحاب من الجولان توازي الصعوبات التي يواجهها الاسد. ولكن واشنطن لم تتوان لحظة عن اثارة الضجيج المفتعل حول موضوع المنشأة التي دمرها الطيران الاسرائيلي في السادس من ايلول من العام الماضي في منطقة دير الزور السورية، والقول انها منشأة نووية كانت تبنى بمساعدة كوريا الشمالية.
ورغم ضحالة الاتهامات الموجهة الى سوريا في شأن هذه المسألة النووية، وهذا يذكر بما سبق ان حصل في العراق، فان من الواضح ان واشنطن ارادت ان تصيب عصفورين بحجر واحد:
اولاً: الضغط على أولمرت لاجهاض اي اتجاه لديه لمفاوضة سوريا بما يعوق المسار الفلسطيني الآن.
ثانيا: الضغط على كوريا الشمالية عبر اتهامها بخرق الاتفاق المبرم معها عبر تصدير الخبرة النووية الى الخارج.
واذا كانت الاثارة الاميركية للمسألة النووية السورية بمثابة زوبعة في فنجان، فان الاثارة التركية لمسألة المفاوضات السورية – الاسرائيلية زوبعة في فنجان آخر. ففي الوقت الاميركي المستقطع مع اقتراب نهاية عهد بوش لا يمكن الحديث عن مفاوضات يمكن ان تقود الى اتفاقات. وخصوصا عندما ترفض تل ابيب العودة الى نظرية “وديعة رابين”. ويراهن الاسد على ادارة اميركية جديدة تتخلى عن مدونة تحسين السلوك السوري اقليميا لقبول التفاوض مع دمشق.
ماذا يعني كل هذا؟
انه يعني اننا سنغرق في كثير من ضباب التفاؤل اقليميا من الان وحتى منتصف السنة المقبلة. اما عن رياح التفاؤل التي تهب لبنانيا وبوتيرة يغلب عليها الحذر والخوف من ان تكون مرة اخرى امام بروفة جديدة لحوار الطرشان، فان من الضروري ان يتوقف المرء امام ذلك الغموض المحيِّر الذي يلف الأجواء.
فعندما نتحدث عن ان “اعلان النيات” مجرد اعلان للنيات يمكن ان يشكل مدخلا الى الحل وانتخاب رئيس للجمهورية التي يكاد الفراغ يلتهمها عن بكرة ابيها كما يقال، فان من حق المواطن اللبناني ان “يسبّح” طويلا بحمد اولئك الذين عطلوا ويعطلون الحل منذ سنتين ويريدوننا ان نصدق الان ان مجرد اعلان للنيات يكفي، فسبحانك اللهم!
حسناً. لقد تجاوز النائب سعد الحريري لحظة وصوله الى بيروت حدود النيات الى التأكيدات الواضحة والصريحة، عندما اعلن من بكركي او بالاحرى عندما تعمد اقفال دكاكين الاتهامات والمزاعم التي دأب بعض المعارضين على اطلاقها، جازما بأنه مع قانون الانتخاب على اساس القضاء كما سبق ان اعلن والده الرئيس الشهيد.
واكثر من هذا عندما دعا الى جعل بند رفض التوطين في رأس قائمة مواضيع الحوار. اما عن الحكومة فان نص المبادرة العربية واضح لجهة رفض التعطيل ورفضه الاستثئار.
اذا ماذا بعد والاكثرية ذاهبة الى الحوار الذي طالما رفضته قوى المعارضة. واكثر من هذا فالاكثرية تفصح علنا منذ زمن عن موقفها وهو ما يتجاوز “اعلان النيات” الى القرارات الواضحة والملزمة؟
فعلاً ماذا بعد؟
ربما صار على المعارضة الان ان تعلن نياتها.
الا اذا كانت تنام في تلك الغرفة التي احتجز فيها “حزب الله” بكل “لياقة واحترام” (!) ممثل الحزب الاشتراكي الفرنسي كريم باكزاد.
وفي النهاية، وبمحبة، هذا امر لا يليق بـ”حزب الله” الذي تزداد اخطاؤه هنا وهناك. بما يذكر اللبنانيين بأيام فوضى المنظمات الفلسطينية والعناصر غير المنضبطة.
•ورد في عنوان تعليق الخميس 24 نيسان: “فقط، لبنان الدائم والصحيح “نفط” لبنان الدائم.